قَائِلُونَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: الْمُرَادُ بِهِ إِطْعَامُ كُلِّ مِسْكِينٍ مُدًّا وَاحِدًا مِنْ طَعَامِ بَلَدِ الْمُكَفِّرِ الَّذِي يُقْتَاتُ مِنْهُ حِنْطَةٌ أَوْ شَعِيرٌ أَوْ أُرْزٌ أَوْ سُلْتٌ أَوْ تَمْرٌ أَوْ زَبِيبٌ أَوْ أَقِطٌ هَكَذَا كَانَ الشَّافِعِيُّ يَقُولُ فِي هَذَا فِيمَا ذَكَرَ لَنَا الْمُزَنِيُّ، وَهُوَ مَعْنَى عَامَّةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي تَقْدِيرِهِمُ الْمُدَّ وَقَائِلُونَ يَقُولُونَ: لَا
يُجْزِئُ فِي ذَلِكَ مِنَ الإِطْعَامِ إِلا مُدَّانِ لِكُلِّ مِسْكِينٍ، وَهُمَا نِصْفُ صَاعٍ بِصَاعِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا كَانَ ذَلِكَ حِنْطَةً أَوْ دَقِيقًا أَوْ سُوَيْقًا مِنْهَا فَأَمَّا مِنَ الشِّعِيرِ، أَوْ مِنْ دَقِيقِهِ، أَوْ مِنْ سَوِيقِهِ، وَمِنَ التَّمْرِ فَصَاعٌ بِصَاعِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ، لَا يُجْزِئُ عِنْدَهُمْ مِنْ كُلِّ جِنْسٍ مِنْ هَذِهِ الأَجْنَاسِ غَيْرُ الَّذِي ذَكَرْنَا مِنْهُ وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ كُتُبِنَا هَذِهِ فِي الْمَنَاسِكِ فِي فِدْيَةِ الأَذَى مِقْدَارَ مَا يُطْعَمُهُ كُلُّ مِسْكِينٍ، فَأَغْنَانَا ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا وَقَدِ احْتَجَّ أَهْلُ الْمَقَالَةِ الأُولَى لِمَقَالَتِهِمْ فِي مِقْدَارِ إِطْعَامِ الْمَسَاكِينِ بِحَدِيثِ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِخَوْلَةَ: " مُرِيهِ فَلْيَذْهَبْ إِلَى فُلانٍ فَقَدْ أَخْبَرَنِي أَنَّ عِنْدَهُ شَطْرَ وَسْقٍ، فَلْيَأْخُذْهُ صَدَقَةً عَلَيْهِ، ثُمَّ يَتَصَدَّقْ بِهِ عَلَى سِتِّينَ مِسْكِينًا " وَبِحَدِيثِ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ هَذَا الْبَابِ عَنْ خَوْلَةَ، " أَنَّ زَوْجَهَا ظَاهَرَ مِنْهَا، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَنَزَلَتْ آيَةُ الظِّهَارِ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُكَفِّرَ قَبْلَ أَنْ يُوَاقِعَ بِخَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا عَلَى سِتِّينَ مِسْكِينًا " وَكَانَ مِنَ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ أَنَّ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ قَدْ رُوِيَا هَكَذَا، وَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زَيْدٍ، " أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَمَرَهُ بِإِطْعَامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا قَالَ: تَاللهِ مَا عِنْدِي إِلا أَنْ تُعِينَنِي، فَأَعَانَهُ رَسُولُ
اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا " وَالْمُعَاوَنَةُ عَلَى الشَّيْءِ إِنَّمَا هِيَ بِبَعْضِهِ لَا بِكُلِّهِ فَهَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْحَدِيثِ الآخَرِ، وَأَمَّا حَدِيثُ يُوسف بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ فَقَدْ رُوِيَ كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ، وَقَدْ رُوِيَ بِزِيَادَةٍ عَلَى ذَلِكَ كَمَا
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.