وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ: فَهُوَ أَنَّهُ لَمْ تَزَلِ الْعَامَّةُ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ قَبْلَ حُدُوثِ الْمُخَالِفِينَ يَسْتَفْتُونَ الْمُجْتَهِدِينَ وَيَتْبَعُونَهُمْ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَالْعُلَمَاءُ مِنْهُمْ يُبَادِرُونَ إِلَى إِجَابَةِ سُؤَالِهِمْ مِنْ غَيْرِ إِشَارَةٍ إِلَى ذِكْرِ الدَّلِيلِ، وَلَا يَنْهَوْنَهُمْ عَنْ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، فَكَانَ إِجْمَاعًا عَلَى جَوَازِ اتِّبَاعِ الْعَامِّيِّ لِلْمُجْتَهِدِ مُطْلَقًا.
وَأَمَّا الْمَعْقُولُ: فَهُوَ أَنَّ مَنْ لَيْسَ لَهُ أَهْلِيَّةُ الِاجْتِهَادِ إِذَا حَدَثَتْ بِهِ حَادِثَةٌ فَرْعِيَّةٌ.
إِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ مُتَعَبِّدًا بِشَيْءٍ، وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ وَإِنْ كَانَ مُتَعَبِّدًا بِشَيْءٍ فَإِمَّا بِالنَّظَرِ فِي الدَّلِيلِ الْمُثْبِتِ لِلْحُكْمِ، أَوْ بِالتَّقْلِيدِ، الْأَوَّلُ مُمْتَنِعٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُفْضِي فِي حَقِّهِ وَفِي حَقِّ الْخَلْقِ أَجْمَعَ إِلَى النَّظَرِ فِي أَدِلَّةِ الْحَوَادِثِ وَالِاشْتِغَالِ عَنِ الْمَعَايِشِ وَتَعْطِيلِ الصَّنَائِعِ وَالْحِرَفِ وَخَرَابِ الدُّنْيَا وَتَعْطِيلِ الْحَرْثِ وَالنَّسْلِ وَرَفْعِ الِاجْتِهَادِ وَالتَّقْلِيدِ رَأْسًا، وَهُوَ مِنَ الْحَرَجِ وَالْإِضْرَارِ الْمَنْفِيِّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} ، وَبِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ فِي الْإِسْلَامِ» " (١) وَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ حَرَجٍ وَضِرَارٍ، ضَرُورَةُ كَوْنِهِ نَكِرَةً فِي سِيَاقِ النَّفْيِ.
غَيْرَ أَنَّا خَالَفْنَاهُ فِي امْتِنَاعِ التَّقْلِيدِ فِي أُصُولِ الدِّينِ؛ لِمَا بَيَّنَّاهُ مِنَ الْفَرْقِ فِي مَسْأَلَةِ امْتِنَاعِ التَّقْلِيدِ فِي أُصُولِ الدِّينِ (٢) ، وَلِأَنَّ الْوَقَائِعَ الْحَادِثَةَ الْفِقْهِيَّةَ أَكْثَرُ بِأَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الْمَسَائِلِ الْأُصُولِيَّةِ الَّتِي قِيلَ فِيهَا بِامْتِنَاعِ التَّقْلِيدِ، فَكَانَ الْحَرَجُ فِي إِيجَابِ الِاجْتِهَادِ فِيهَا أَكْثَرَ، فَبَقِينَا فِيمَا عَدَا ذَلِكَ عَامِلِينَ بِقَضِيَّةِ الدَّلِيلِ، وَهُوَ عَامٌّ فِي الْمَسَائِلِ الِاجْتِهَادِيَّةِ وَغَيْرِهَا.
فَإِنْ قِيلَ: مَا ذَكَرْتُمُوهُ مُعَارَضٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْمَعْقُولِ.
أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ}
وَالْقَوْلُ بِالتَّقْلِيدِ قَوْلٌ بِمَا لَيْسَ بِمَعْلُومٍ فَكَانَ مَنْهِيًّا عَنْهُ.
(١) رَوَاهُ مَالِكٌ، وَعَنْهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ مُرْسَلًا، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَعَبْدُ الرَّازِقِ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَفِي سَنَدِهِ جَابِرٌ الْجُعْفِيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ مُتَّهَمٌ بِالْكَذِبِ، وَلَكِنْ يَشْهَدُ لِمَعْنَاهُ أُصُولُ الشَّرِيعَةِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.(٢) تَقَدَّمَ مَا فِيهِ ص ٢٢١ - ج٤.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.