وَالْجَوَابُ عَنِ السُّؤَالِ الْأَوَّلِ: أَنَّ إِسْنَادَ إِثْبَاتِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْأَحْكَامِ الْمَنْسُوخَةِ إِلَى مَا وُجِدَ مِنَ السُّنَّةِ مِنْ أَفْعَالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَقْوَالِهِ وَتَقْرِيرَاتِهِ صَالِحٌ لِإِثْبَاتِهَا، وَقَدِ اقْتَرَنَ بِهَا الْإِثْبَاتُ فَكَانَ الْإِثْبَاتُ مُسْتَنِدًا إِلَيْهَا، وَكَذَلِكَ الْكَلَامُ فِي إِسْنَادِ نَسْخِهَا إِلَى مَا وُجِدَ مِنَ الْآيَاتِ الصَّالِحَةِ لِلنَّسْخِ مِنْ تَرَتُّبِ النَّسْخِ عَلَيْهَا، فَبِتَقْدِيرِ (١) وُجُودِ خِطَابٍ آخَرَ يَكُونُ إِسْنَادُ الْأَحْكَامِ الْمَذْكُورَةِ إِلَيْهِ بِتَقْدِيرِ نَسْخِهِ.
وَكَذَلِكَ تَقْدِيرُ وُجُودِ سُنَّةٍ نَاسِخَةٍ لَهَا مَعَ عَدَمِ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهَا، وَإِمْكَانُ إِسْنَادِ نَسْخِهَا إِلَى مَا وُجِدَ مِنَ الْآيَاتِ الصَّالِحَةِ لِنَسْخِهَا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ يَكُونُ مُمْتَنِعًا.
وَلَوْ فُتِحَ هَذَا الْبَابُ لَمَا اسْتَقَرَّ لِأَحَدٍ قَدَمٌ فِي إِثْبَاتِ نَاسِخٍ وَلَا مَنْسُوخٍ ; لِأَنَّ مَا مِنْ نَاسِخٍ يُقَدَّرُ إِلَّا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّاسِخُ غَيْرُهُ، وَمَا مِنْ مَنْسُوخٍ حُكْمُهُ يُقَدَّرُ إِلَّا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إِسْنَادُ ذَلِكَ الْحُكْمِ إِلَى غَيْرِهِ، وَهُوَ خِلَافُ إِجْمَاعِ الْأُمَّةِ فِي الِاكْتِفَاءِ بِالْحُكْمِ عَلَى كَوْنِ مَا وُجِدَ مِنَ الْخِطَابِ الصَّالِحِ لِنَسْخِ الْحُكْمِ هُوَ النَّاسِخُ، وَأَنَّ مَا وُجِدَ مِنَ الدَّلِيلِ الصَّالِحِ لِإِثْبَاتِ الْحُكْمِ هُوَ الْمُثْبِتُ، وَإِنِ احْتَمَلَ إِضَافَةَ الْحُكْمِ وَالنَّسْخَ إِلَى غَيْرِ مَا ظَهَرَ مَعَ عَدَمِ الظَّفَرِ بِهِ بَعْدَ الْبَحْثِ التَّامِّ عَنْهُ، وَعَنِ الْمُعَارَضَةِ بِالنَّصِّ مِنْ وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ} إِنَّمَا هُوَ التَّبْلِيغُ، وَذَلِكَ يَعُمُّ تَبْلِيغَ النَّاسِ مِنَ الْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى امْتِنَاعِ كَوْنِ الْقُرْآنِ نَاسِخًا لِلسُّنَّةِ.
الثَّانِي: وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ " {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ} " إِنَّمَا هُوَ بَيَانُ الْمُجْمَلِ وَالْعَامِّ وَالْمُطْلَقِ وَالْمَنْسُوخِ، لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ دَلَالَةَ ذَلِكَ عَلَى انْحِصَارِ مَا يَنْطِقُ بِهِ فِي الْبَيَانِ، بَلْ جَازَ مَعَ كَوْنِهِ مُبَيِّنًا أَنْ يَنْطِقَ بِغَيْرِ الْبَيَانِ، وَيَكُونُ مُحْتَاجًا إِلَى بَيَانٍ.
وَعَنِ الْمُعَارَضَةِ الْأُولَى مِنْ جِهَةِ الْمَعْقُولِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَصِحُّ أَنْ لَوْ كَانَتِ السُّنَّةُ مِنْ عِنْدِ الرَّسُولِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ إِنَّمَا هِيَ مِنَ الْوَحْيِ عَلَى مَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} .
الثَّانِي: أَنَّهُ لَوِ امْتَنَعَ نَسْخُ السُّنَّةِ بِالْقُرْآنِ لِدَلَالَتِهِ عَلَى أَنَّ مَا شَرَعَهُ أَوَّلًا غَيْرُ مَرْضِيٍّ لَامْتَنَعَ نَسْخُ الْقُرْآنِ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ، وَهُوَ خِلَافُ إِجْمَاعِ الْقَائِلِينَ بِالنَّسْخِ.
(١) فَبِتَقْدِيرِ: فِيهِ تَحْرِيفٌ وَالصَّوَابُ: فَتَقْدِيرُ. . . . إِلَخْ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.