. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[طرح التثريب]
لِكَوْنِهِ عِبَادَةً، وَإِنَّمَا هُوَ أَعْمَالٌ وَأَخْلَاقٌ مُسْتَحْسَنَةٌ رَغَّبَ الشَّرْعُ فِيهَا لِعِظَمِ فَائِدَتِهَا، وَقَدْ يَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ - تَعَالَى - فَيَنَالُ الثَّوَابَ فِيهَا كَعِيَادَةِ الْمَرْضَى وَزِيَارَةِ الْقَادِمِينَ وَإِفْشَاءِ السَّلَامِ وَاخْتَلَفُوا فِي لُزُومِ ذَلِكَ بِالنَّذْرِ عَلَى وَجْهَيْنِ وَالْأَصَحُّ اللُّزُومُ. وَأَمَّا الْمُبَاحُ الَّذِي لَمْ يَرِدْ فِيهِ تَرْغِيبٌ كَالْأَكْلِ وَالنَّوْمِ وَالْقِيَامِ وَالْقُعُودِ فَلَوْ نَذَرَ فِعْلَهَا أَوْ تُرْكَهَا لَمْ يَنْعَقِدْ نَذْرُهُ. قَالَ الْأَئِمَّةُ: وَقَدْ يَقْصِدُ بِالْأَكْلِ التَّقَوِّي عَلَى الْعِبَادَةِ وَبِالنَّوْمِ النَّشَاطَ عِنْدَ التَّهَجُّدِ فَيَنَالُ الثَّوَابَ لَكِنَّ الْفِعْلَ غَيْرُ مَقْصُودٍ وَالثَّوَابُ يَحْصُلُ بِالْقَصْدِ الْجَمِيلِ وَالضَّرْبُ بِالدُّفِّ هُوَ مِنْ الْأُمُورِ الْمُبَاحَةِ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ فِي عُرْسٍ أَوْ خِتَانٍ فَهُوَ مَجْزُومٌ عِنْدَ أَصْحَابِنَا بِإِبَاحَتِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِهِمَا فَأَطْلَقَ صَاحِبُ الْمُهَذَّبِ وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا تَحْرِيمَهُ.
وَقَالَ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ: حَلَالٌ وَرَجَّحَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الْمُحَرَّرِ وَالشَّرْحِ الصَّغِيرِ وَالنَّوَوِيُّ فِي الْمِنْهَاجِ، وَقَدْ يَقْتَرِنُ بِالضَّرْبِ بِالدُّفِّ قَصْدٌ جَمِيلٌ كَجَبْرِ يَتِيمَةٍ فِي عُرْسِهَا وَإِظْهَارِ السُّرُورِ بِسَلَامَةِ مَنْ يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَمِنْ ذَلِكَ ضَرْبُ هَذِهِ الْمَرْأَةِ بِالدُّفِّ فَهُوَ مُبَاحٌ بِلَا شَكٍّ وَلَمَّا قَصَدَتْ بِهِ إظْهَارَ السُّرُورِ بِقُدُومِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَالِمًا حَصَلَ لَهَا الثَّوَابُ بِالْقَصْدِ الْجَمِيلِ، وَقَدْ جَزَمَ أَصْحَابُنَا فِي مِثْلِ ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ نَذْرُهُ فَلَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ تَخْرِيجِ جَوَابٍ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، وَقَدْ بَوَّبَ عَلَيْهِ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ (بَابُ مَا يُوَفَّى بِهِ مِنْ نَذْرِ مَا يَكُونُ مُبَاحًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ طَاعَةً) ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذِكْرِ الْحَدِيثِ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا أَذِنَ لَهَا فِي الضَّرْبِ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ مُبَاحٌ وَفِيهِ إظْهَارٌ لِلْفَرَحِ بِظُهُورِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرُجُوعِهِ سَالِمًا لَا أَنَّهُ يَجِبُ بِالنَّذْرِ فَتَبْوِيبُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَفْعُولَ وَفَاءٌ لِلنَّذْرِ وَأَنَّ بَعْضَ الْمُبَاحَاتِ يَصِحُّ نَذْرُهُ وَيُوَفَّى بِهِ. وَكَلَامُهُ عَلَى الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ بَاقٍ عَلَى إبَاحَتِهِ وَلَمْ يَفْعَلْ وَفَاءً بِالنَّذْرِ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَفَاءٌ بِالنَّذْرِ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «إنْ كُنْتِ نَذَرْتِ فَاضْرِبِي» .
وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي تَأْوِيلِ الْحَدِيثِ شَيْءٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ أُرِيدَ بِالنَّذْرِ هُنَا الْيَمِينُ، وَمَعْنَى قَوْلِهَا نَذَرْتُ: حَلَفْتُ. وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «إنْ كُنْتِ نَذَرْتِ» أَيْ حَلَفْتِ وَإِذْنُهُ فِي الضَّرْبِ إذْنٌ فِي الْبِرِّ وَفِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، وَصَحَّ اسْتِعْمَالُ النَّذْرِ فِي الْيَمِينِ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الِاشْتِرَاكِ وَهُوَ إلْزَامُ الشَّخْصِ نَفْسَهُ بِمَا لَا يَلْزَمُهُ وَذَلِكَ يَكُونُ تَارَةً بِالنَّذْرِ وَتَارَةً بِالْيَمِينِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْأَثَرِ اسْتِعْمَالُ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.