الصَّلَاةُ فِي جَمَاعَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ وَلِأَنَّهُ يُخَافُ عَلَيْهِ بِسَبَبِ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مُشَارِكًا لِلْحَاضِرِينَ فِي أَمَاكِنِ الْبِدَعِ فِي الْإِثْمِ هَذَا وَجْهٌ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ قَدْ يَأْنَسُ قَلْبَهُ بِتِلْكَ الْبِدَعِ فَيَئُولُ إلَى تَرْكِ التَّغْيِيرِ بِالْقَلْبِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ أَدْنَى رُتَبِ التَّغْيِيرِ لِمَا وَرَدَ وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إيمَانٍ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: وَهُوَ أَشَدُّ مِنْ الثَّانِي وَهُوَ أَنَّهُ يُخَافُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَحْسِنَ شَيْئًا مِمَّا يَرَاهُ، أَوْ يَسْمَعَ بِهِ، وَهَذَا فِيهِ مِنْ الْقُبْحِ مَا فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحْسِنُ مَا كَرِهَهُ الشَّرْعُ وَنَهَى عَنْهُ وَهُوَ الْإِحْدَاثُ فِي الدِّينِ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» .
يَعْنِي مَرْدُودٌ عَلَيْهِ، وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ عَمَلَ امْرِئٍ حَتَّى يُتْقِنَهُ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَمَا إتْقَانُهُ قَالَ: يُخَلِّصُهُ مِنْ الرِّيَاءِ، وَالْبِدْعَةِ» ، وَقَدْ وَرَدَ «إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِمَنْ أَحْدَثَ فِي الدِّينِ حَدَثًا: هَبْ أَنِّي أَغْفِرُ لَك مَا بَيْنِي وَبَيْنَك فَاَلَّذِي أَضْلَلْتهمْ مِنْ النَّاسِ» انْتَهَى.
فَإِذَا وَقَعَ اسْتِحْسَانُ شَيْءٍ مِنْ الْبِدَعِ كَائِنًا مَا كَانَ كَانَ دَاخِلًا فِي عُمُومِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ أَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى السَّلَامَةَ بِمَنِّهِ وَكَرْمِهِ مَعَ أَنَّ هَذَا الَّذِي ذُكِرَ قَلَّ أَنْ يَقَعَ أَعْنِي أَنْ تَعُمَّ تِلْكَ الْبِدَعُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ جَمِيعَ مَسَاجِدِ الْبَلَدِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالْكَمَالُ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ حَاصِلٌ لَهُ أَعْنِي الصَّلَاةَ فِي الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ السَّالِمِ مِنْ تِلْكَ الْبِدَعِ، أَوْ مِنْ أَكْثَرِهَا، وَلَوْ امْتَنَعَ بَعْضُ مَنْ يُقْتَدَى بِهِمْ مِنْ حُضُورِ الْمَسَاجِدِ الَّتِي فِيهَا الْبِدَعُ لَانْحَسَمَتْ الْمَادَّةُ وَزَالَتْ الْبِدَعُ كُلُّهَا، أَوْ أَكْثَرُهَا، أَوْ بَعْضُهَا لَكِنْ جَرَتْ عَادَةُ بَعْضِ أَهْلِ الْوَقْتِ عَلَى تَعَاطِي ذَلِكَ بَيْنَهُمْ، بَلْ يَفْعَلُ ذَلِكَ بَعْضُ أَكَابِرِهِمْ إذَا خَتَمَ وَلَدُهُ الْقُرْآنَ، أَوْ صَلَّى التَّرَاوِيحَ.
وَسَنُبَيِّنُ مَا فِي ذَلِكَ مِمَّا لَا يَنْبَغِي فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَدْ وَقَعَ بِمَدِينَةِ فَاسَ أَنَّهُمْ أَوْقَدُوا جَامِعَهَا الْأَعْظَمَ فَزَادُوا فِي الْوَقُودِ الزِّيَادَةَ الْكَثِيرَةَ فَجَاءَ الشَّيْخُ الْجَلِيلُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْقَشْتَالِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلَى صَلَاةِ الْعِشَاءِ عَلَى عَادَتِهِ فَرَأَى ذَلِكَ فَوَقَفَ وَلَمْ يَدْخُلْ فَقِيلَ لَهُ: أَلَا تَدْخُلُ فَقَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَدْخُلُ حَتَّى لَا يَبْقَى فِي الْمَسْجِدِ إلَّا
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.