يَنْفَعُهُ.
أَمَّا الْأَوَّلُ: فَلِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ إذَا أَخَذَ ذَلِكَ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ خَائِفًا مِمَّا ذُكِرَ فَذَلِكَ أَعْظَمُ مِنْ إشْرَافِ النَّفْسِ، وَقَدْ يُسَلَّطُ عَلَيْهِ مَنْ يَتَرَدَّدُ إلَيْهِ فِي مَعْلُومِهِ عُقُوبَةً لَهُ مُعَجَّلَةً.
وَأَمَّا الثَّانِي: فَهُوَ يَرْتَكِبُ أَمْرًا مَحْذُورًا مُحَقَّقًا لِأَجْلِ مَحْذُورٍ مَظْنُونٍ تَوَقُّعُهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ قَدْ يَكُونُ وَقَدْ لَا يَكُونُ، وَهُوَ مَطْلُوبٌ فِي الْوَقْتِ بِعَدَمِ ارْتِكَابِ ذَلِكَ الْفِعْلِ الْمَذْمُومِ شَرْعًا، بَلْ الْإِعَانَةُ عَلَى قَضَاءِ حَوَائِجِهِ وَحَوَائِجِ الْمُسْلِمِينَ إنَّمَا هُوَ الِانْقِطَاعُ عَنْ أَبْوَابِ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ، وَالتَّعْوِيلُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالرُّجُوعُ إلَيْهِ، إذْ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هُوَ الْقَاضِي لِلْحَوَائِجِ وَالدَّافِعُ لِلْمَخَاوِفِ وَالْمُسَخِّرُ لِقُلُوبِ الْخَلْقِ وَالْإِقْبَالُ بِهَا عَلَى مَنْ شَاءَ كَيْفَ يَشَاءُ.
قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ خِطَابًا لِسَيِّدِ الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ: «لَوْ أَنْفَقَتْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ» فَذَكَرَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هَذَا فِي مَعْرَضِ الِامْتِنَانِ عَلَى نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَالْعَالِمُ إذَا كَانَ مُتَّبِعًا لَهُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ سِيَّمَا فِي التَّعْوِيلِ عَلَى رَبِّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَالسُّكُونِ إلَيْهِ دُونَ مَخْلُوقَاتِهِ، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يُعَامِلُهُ بِهَذِهِ الْمُعَامَلَةِ اللَّطِيفَةِ الَّتِي عَامَلَ بِهَا نَبِيَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِبَرَكَةِ الِاتِّبَاعِ لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَيَسْلَمُ بِذَلِكَ مِنْ التَّرَدُّدِ إلَى أَبْوَابِ مَنْ لَا يَنْبَغِي كَاَلَّذِي يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ وَهُوَ سُمٌّ قَاتِلٌ؛ لِأَنَّهُ لَا خَفَاءَ فِي أَحْوَالِهِمْ يَا لَيْتَهُمْ لَوْ اقْتَصَرُوا عَلَى مَا ذُكِرَ لَا غَيْرُ، بَلْ يَضُمُّونَ إلَى ذَلِكَ مَا هُوَ أَشَدُّ وَأَشْنَعُ، وَهُوَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ تَرَدُّدَهُمْ إلَى أَبْوَابِهِمْ مِنْ بَابِ التَّوَاضُعِ أَوْ مِنْ بَابِ إرْشَادِهِمْ إلَى الْخَيْرِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَخْطِرُ لَهُمْ وَهُوَ كَثِيرٌ قَدْ عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى، وَإِذَا اعْتَقَدُوا ذَلِكَ فَقَدْ قَلَّ الرَّجَاءُ مِنْ تَوْبَتِهِمْ وَرُجُوعِهِمْ إذْ أَنَّهُ لَا يَتُوبُ أَحَدٌ قَطُّ مِنْ الْخَيْرِ.
وَقَدْ نَقَلَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَنَّ الْعَدْلَ إذَا تَرَدَّدَ لِبَابِ الْقَاضِي فَإِنَّ ذَلِكَ جُرْحَةٌ فِي حَقِّهِ وَتُرَدُّ بِهِ شَهَادَتُهُ، فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي التَّرَدُّدِ إلَى بَابِ الْقَاضِي وَهُوَ عَالِمٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ سَالِمٌ مَجْلِسُهُ مِمَّا يَجْرِي فِي مَجَالِسِ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ، فَكَيْفَ التَّرَدُّدُ لِغَيْرِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.