فَلَوْ وَجَدَ الْحَلَاوَةَ فِي الثَّانِيَةِ فَلْيَمْضِ لِسَبِيلِهِ مَا دَامَ يَجِدُ ذَلِكَ، وَلَوْ طَالَ الْأَمْرُ، فَإِنْ طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ فَلْيَرْجِعْ عَمَّا هُوَ بِصَدَدِهِ إلَى الِاشْتِغَالِ بِفَرْضِ الْوَقْتِ لَكِنْ يُكْمِلُ خَمْسَ تَسْلِيمَاتٍ مُخَفَّفَةٍ كَمَا لَوْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ فَإِنَّهُ يُوقِعُهُ مَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَصَلَاةِ الصُّبْحِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَكَانَ سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ: مَا يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ إذَا وَجَدَ الْحَلَاوَةَ فِي شَيْءٍ أَنْ يَنْتَقِلَ عَنْهُ. مِثْلَ أَنْ يَجِدَ الْحَلَاوَةَ فِي الدُّعَاءِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ فَلَا يَقْطَعُهُ، وَلَا يَنْظُرُ إلَى غَيْرِهِ مِنْ الْأَوْرَادِ، وَكَذَلِكَ إنْ وَجَدَ الْحَلَاوَةَ فِي الرُّكُوعِ فَلَا يَرْفَعُ، وَكَذَلِكَ إنْ وَجَدَهَا فِي السُّجُودِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَخَافَ عَلَى فَوَاتِ الْفَرَائِضِ فِي الْجَمَاعَةِ فَلْيَقْطَعْ ذَلِكَ لِأَجْلِهَا.
وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - يُغْلِسُونَ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ غَيْرُ جَمَاعَةٍ وَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْأَعْظَمَ بِطَلَبِ الْعِلْمِ، وَقِيَامِ اللَّيْلِ، وَغَيْرِهِمَا مِمَّا يُقَرِّبُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى إنَّمَا ذَلِكَ كُلُّهُ لَعَلَّ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ شَيْءٌ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ الْحَلَاوَةِ فِي الْمُنَاجَاةِ فِي وِرْدِهِ، أَوْ الدُّعَاءِ، أَوْ غَيْرِهِمَا، إلَّا أَنْ يَعْرِضَ الْفَرْضُ فَيَفْعَلَ كَمَا سَبَقَ، وَقَدْ وَرَدَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ مَرَّ فِي وِرْدِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة: ١١٨] فَبَقِيَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يُكَرِّرُهَا حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ» ، وَقَدْ حُكِيَ عَنْ أَبِي يَزِيدَ الْبِسْطَامِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَنَفَعَنَا بِهِ أَنَّهُ خَرَجَ لَيْلَةً مِنْ الْمَسْجِدِ، وَقَدْ صَلَّى الْعِشَاءَ فَخَرَجَ خَلْفَهُ بَعْضُ إخْوَانِهِ، وَهُوَ لَمْ يَشْعُرْ بِهِ، فَإِذَا هُوَ قَدْ رَفَعَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى فَوَضَعَهَا عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى، وَقَبَضَ عَلَى لِحْيَتِهِ بِيَدِهِ، وَرَفَعَ رَأْسَهُ شَاخِصًا إلَى السَّمَاءِ، فَوَقَفَ الرَّجُلُ خَلْفَهُ يَنْتَظِرُهُ إلَى أَنْ طَلَعَ الْفَجْرُ فَلَمَّا أَنْ طَلَعَ الْفَجْرُ رَجَعَ أَبُو يَزِيدَ إلَى الْمَسْجِدِ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ، فَرَجَعَ الرَّجُلُ خَلْفَهُ، فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّاكَ إلَى الْحَالَةِ الَّتِي كَانَ فِيهَا أَبُو يَزِيدَ، وَإِلَى تَرْكِهِ مَا كَانَ فِيهِ، وَإِتْيَانِهِ إلَى الْفَرْضِ فِي جَمَاعَةٍ مَعَ أَنَّهُمْ قَدْ قَالُوا فِيمَنْ كَانَ الْقُرْآنُ يَنْفَلِتُ مِنْهُ لِقِلَّةِ حِفْظِهِ: فَلْيَقُمْ بِهِ فِي اللَّيْلِ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُثَبِّتُهُ لَهُ، وَمَا ذَاكَ إلَّا لِبَرَكَةِ امْتِثَالِ السُّنَّةِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.