- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَكَانَ الْمُؤَذِّنُونَ ثَلَاثَةً يُؤَذِّنُونَ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، ثُمَّ زَادَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَذَانًا آخَرَ بِالزَّوْرَاءِ، وَهُوَ مَوْضِعٌ بِالسُّوقِ لَمَّا أَنْ كَثُرَ النَّاسُ وَأَبْقَى الْأَذَانَ الَّذِي كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْمَنَارِ، وَالْخَطِيبُ عَلَى الْمِنْبَرِ إذْ ذَاكَ. ثُمَّ إنَّهُ لَمَّا أَنْ تَوَلَّى هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ أَخَذَ الْأَذَانَ الَّذِي فَعَلَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِالزَّوْرَاءِ، وَجَعَلَهُ عَلَى الْمَنَارِ وَكَانَ الْمُؤَذِّنُ وَاحِدًا يُؤَذِّنُ عِنْدَ الزَّوَالِ، ثُمَّ نُقِلَ الْأَذَانُ الَّذِي كَانَ عَلَى الْمَنَارِ حِينَ صُعُودِ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - بَيْنَ يَدَيْهِ، وَكَانُوا يُؤَذِّنُونَ ثَلَاثَةً فَجَعَلَهُمْ يُؤَذِّنُونَ جَمَاعَةً وَيَسْتَرِيحُونَ.
قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ: وَسُنَّةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْلَى أَنْ تُتَّبَعَ. فَقَدْ بَانَ أَنَّ فِعْلَ ذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ بَيْنَ يَدَيْ الْخَطِيبِ بِدْعَةٌ، وَأَنَّ أَذَانَهُمْ جَمَاعَةً أَيْضًا بِدْعَةٌ أُخْرَى فَتَمَسَّكَ بَعْضُ النَّاسِ بِهَاتَيْنِ الْبِدْعَتَيْنِ، وَهُمَا مِمَّا أَحْدَثَهُ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ كَمَا تَقَدَّمَ. ثُمَّ تَطَاوَلَ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى صَارَ بَيْنَ النَّاسِ كَأَنَّهُ سُنَّةٌ مَعْمُولٌ بِهَا، فَزَادُوا عَلَى الثَّلَاثَةِ الْمُؤَذِّنِينَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ وَثَلَاثَةٍ كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ، فَهَذِهِ بِدْعَةٌ ثَالِثَةٌ ثُمَّ أَحْدَثُوا الدَّكَّةِ الَّتِي يَصْعَدُونَ عَلَيْهَا وَيُؤَذِّنُونَ، فَهَذِهِ بِدْعَةٌ رَابِعَةٌ.
وَكُلُّ ذَلِكَ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ فِي الشَّرْعِ. هَذَا مَا هُوَ مِنْ طَرِيقِ النَّقْلِ. وَأَمَّا مَا هُوَ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى؛ فَلِأَنَّ الْأَذَانَ إنَّمَا هُوَ نِدَاءٌ إلَى الصَّلَاةِ وَمَنْ هُوَ فِي الْمَسْجِدِ لَا مَعْنَى لِنِدَائِهِ، إذْ هُوَ حَاضِرٌ وَمَنْ هُوَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ لَا يَسْمَعُ النِّدَاءَ إذَا كَانَ النِّدَاءُ فِي الْمَسْجِدِ، هَذَا وَجْهٌ.
الثَّانِي: أَنَّ الدَّكَّةَ الَّتِي أَحْدَثُوهَا ضَيِّقَةٌ مِنْ غَيْرِ حَظِيرٍ فَقَدْ تَلْتَوِي رِجْلُ أَحَدِهِمْ أَوْ يَعْثُرُ فَيَقَعُ فَتَنْكَسِرُ، وَقَدْ جَرَى ذَلِكَ فَيَكُونُ مَسْئُولًا عَنْ نَفْسِهِ مَعَ وُجُودِ أَلَمِهِ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَا مَعْنَى لَهَا إذْ الْمُرَادُ إنَّمَا هُوَ إسْمَاعُ الْحَاضِرِينَ، وَهُمْ لَوْ أَذَّنُوا فِي الْأَرْضِ لَأَسْمَعُوا مَنْ فِي الْمَسْجِدِ وَإِنَّمَا هِيَ عَوَائِدُ وَقَعَ الِاسْتِئْنَاسُ بِهَا فَصَارَ الْمُنْكِرُ لَهَا كَأَنَّهُ يَأْتِي بِبِدْعَةٍ عَلَى زَعْمِهِمْ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.