يَتَسَابُّونَ فَيَقُولُونَ لَأَنْتَ شَرٌّ مِمَّنْ لَا يَغْتَسِلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ إنَّ غُسْلَ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ» وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ هَلْ هُوَ وَاجِبٌ وُجُوبَ الْفَرَائِضِ أَوْ وُجُوبَ السُّنَنِ الْمُؤَكَّدَةِ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَقَدْ قَالُوا فِيمَنْ تَرَكَ الْوَتْرَ أَنَّهُ يَفْسُقُ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ سُنَّةً وَلِلِاخْتِلَافِ فِيهِ أَيْضًا هَلْ هُوَ وَاجِبٌ وُجُوبَ الْفَرَائِضِ أَوْ وُجُوبَ السُّنَنِ الْمُؤَكَّدَةِ وَمَا يُوجِبُ فِسْقَ تَارِكِهِ فَجَدِيرٌ أَنْ يُحَافَظَ عَلَى فِعْلِهِ وَلَا يُتْرَكُ إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ وَبَعْضُ النَّاسِ قَدْ أَهْمَلُوا ذَلِكَ حَتَّى كَأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ بَيْنَهُمْ أَعْنِي عِنْدَ أَكْثَرِ الْعَامَّةِ، وَعِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ حِكَايَةٌ تُحْكَى حَتَّى كَأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْخِطَابِ بِالْغُسْلِ لَهَا.
وَكَذَلِكَ يَنْهَاهُمْ عَمَّا تَرَكُوهُ مِنْ لُبْسِ الْحَسَنِ مِنْ الثِّيَابِ لَهَا وَاسْتِعْمَالِ الطِّيبِ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ سُنَنِهَا الْمُؤَكَّدَةِ أَيْضًا. قَالَ الْإِمَامُ أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي كِتَابِهِ وَلْيَتَطَيَّبْ بِأَطْيَبِ طِيبِهِ مِمَّا ظَهَرَ رِيحُهُ وَخَفِيَ لَوْنُهُ فَذَلِكَ طِيبُ الرِّجَالِ وَطِيبُ النِّسَاءِ مَا يَظْهَرُ لَوْنُهُ وَخَفِيَ رِيحُهُ انْتَهَى.
وَقَدْ تَرَكَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ وَهُوَ عَكْسُ مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - حَتَّى إنَّكَ لَتَجِدُ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ فِي الدَّرْسِ أَوْ فِي دُكَّانِهِ أَوْ حِينَ اجْتِمَاعِهِ بِأَحَدِ الْقُضَاةِ أَوْ غَيْرِهِمْ مِنْ أَرْبَابِ الْمَنَاصِبِ عَلَى هَيْئَةٍ مِنْ ثِيَابٍ وَرَائِحَةِ طِيبٍ وَغَيْرِهِمَا وَتَجِدُهُ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ عَلَى هَيْئَةٍ دُونَهَا وَسَبَبُ هَذَا تَعْظِيمُ الدُّنْيَا فِي الْقُلُوبِ وَالتَّهَاوُنُ بِشَعَائِر الدِّينِ وَالْغَفْلَةُ بِسَبَبِ الْعَوَائِدِ الرَّدِيئَةِ. وَلَا يَظُنُّ ظَانٌّ أَنَّ مَا ذُكِرَ مِنْ لُبْسِ الْحَسَنِ مِنْ الثِّيَابِ هُوَ مَا اعْتَادَهُ بَعْضُ النَّاسِ فِي هَذَا الزَّمَانِ بَلْ ذَلِكَ عَلَى مَا دَرَجَ عَلَيْهِ السَّلَفُ وَكَانُوا - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - عَلَى مَا نَقَلَهُ الْإِمَامُ أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي كِتَابِهِ أَثْمَانُ أَثْوَابِهِمْ الْقُمُصُ كَانَتْ مِنْ الْخَمْسَةِ إلَى الْعَشَرَةِ فَمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْأَثْمَانِ وَكَانَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَخِيَارُ التَّابِعِينَ قِيمَةُ ثِيَابِهِمْ مَا بَيْنَ الْعِشْرِينَ وَالثَّلَاثِينَ وَكَانَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَكْرَهُ أَنْ يَكُونَ عَلَى الرَّجُلِ مِنْ الثِّيَابِ مَا يُجَاوِزُ قِيمَتُهُ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.