فِي ذَلِكَ وَالْكَمَالِ أَنْ يُغَيِّرَ عَلَى نَفْسِهِ أَوَّلًا قَبْلَ غَيْرِهِ بِالْيَدِ أَوْ بِاللِّسَانِ فَإِذَا اسْتَقَامَتْ النَّفْسُ عَلَى مَا يَنْبَغِي مِنْ الِامْتِثَالِ حِينَئِذٍ يَرْجِعُ إلَى غَيْرِهِ يُغَيِّرُ عَلَيْهِ بِالْيَدِ أَوْ بِاللِّسَانِ بِحَسَبِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِي وَقْتِهِ.
، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَأَوَّلُ شَيْءٍ يَحْتَاجُ أَنْ يَنْظُرَ فِيهِ أَوَّلَ دُخُولِهِ لِمَوْضِعِ التَّدْرِيسِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَرْجِعُ إلَى مَا بَعْدَهُ قَلِيلًا قَلِيلًا فَلَا يَخْلُو مَوْضِعُ التَّدْرِيسِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ إمَّا أَنْ يَكُونَ بَيْتًا أَوْ مَدْرَسَةً أَوْ مَسْجِدًا وَأَفْضَلُ مَوَاضِعِ التَّدْرِيسِ الْمَسْجِدُ؛ لِأَنَّ الْجُلُوسَ لِلتَّدْرِيسِ إنَّمَا فَائِدَتُهُ أَنْ تَظْهَرَ بِهِ سُنَّةٌ أَوْ تَخْمَدُ بِهِ بِدْعَةٌ أَوْ يُتَعَلَّمُ بِهِ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَالْمَسْجِدُ يَحْصُلُ فِيهِ هَذَا الْغَرَضُ مُتَوَفِّرًا؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ مُجْتَمَعِ النَّاسِ رَفِيعِهِمْ وَوَضِيعِهِمْ وَعَالِمِهِمْ وَجَاهِلِهِمْ بِخِلَافِ الْبَيْتِ فَإِنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَى النَّاسِ إلَّا مَنْ أُبِيحَ لَهُ، وَذَلِكَ لِأُنَاسٍ مَخْصُوصِينَ، وَإِنْ كَانَ الْعَالِمُ قَدْ أَبَاحَ بَيْتَهُ لِكُلِّ مَنْ أَتَى لَكِنْ جَرَتْ الْعَادَةُ أَنَّ الْبُيُوتَ تُحْتَرَمُ وَتُهَابُ وَلَيْسَ كُلُّ النَّاسِ يَحْصُلُ لَهُ الْإِدْلَالُ عَلَى ذَلِكَ فَكَانَ الْمَسْجِدُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ فِي تَوْصِيلِ الْأَحْكَامِ وَتَبْلِيغِهَا لِلْأُمَّةِ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا بِالنَّظَرِ إلَى هَذَا الْمَعْنَى يَكُونُ الْمَسْجِدُ أَفْضَلَ مِنْ الْمَدْرَسَةِ لِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ السَّلَفَ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - لَمْ تَكُنْ لَهُمْ مَدَارِسُ، وَإِنَّمَا كَانُوا يُدَرِّسُونَ فِي الْمَسَاجِدِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي الْمَدْرَسَةِ فِيهِ الْمَنْفَعَةُ وَالْخَيْرُ وَالْبَرَكَةُ لَكِنْ لَمَّا أَنْ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ لِلسَّلَفِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - كَانَ أَخْذُهُ فِي الْمَسَاجِدِ فِيهِ صُورَةُ الِاقْتِدَاءِ بِهِمْ فِي الظَّاهِرِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ يَجُوزُ وَكَفَى لَنَا أُسْوَةٌ بِهِمْ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْمَدْرَسَةَ لَا يَدْخُلُهَا فِي الْغَالِبِ إلَّا آحَادُ النَّاسِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ النَّاسِ يَقْصِدُ الْمَدْرَسَةَ، وَإِنَّمَا يَقْصِدُ أَعَمُّهُمْ الْمَسَاجِدَ، وَلَيْسَ كُلُّ النَّاسِ أَيْضًا لَهُ رَغْبَةٌ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، وَإِذَا كَانَ التَّدْرِيسُ أَيْضًا فِي الْمَدْرَسَةِ امْتَنَعَ تَوْصِيلُ الْعِلْمِ عَلَى مَنْ لَا رَغْبَةَ لَهُ فِيهِ، وَالْمَقْصُودُ بِالتَّدْرِيسِ كَمَا تَقَدَّمَ إنَّمَا هُوَ التَّبْيِينُ لِلْأُمَّةِ وَإِرْشَادُ الضَّالِّ وَتَعْلِيمُهُ وَدَلَالَةُ الْخَيْرَاتِ، وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي الْمَسْجِدِ أَكْثَرُ مِنْ الْمَدْرَسَةِ ضَرُورَةً، وَإِذَا كَانَ الْمَسْجِدُ أَفْضَلَ فَيَنْبَغِي أَنْ يُبَادِرَ إلَى
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.