فِيهَا بِمَسْأَلَةٍ فِيهَا نَصٌّ شَرْعِيٌّ، لِعِلَّةٍ جَامِعَةٍ بَيْنَهُمَا، وَإِمَّا رَدُّ الْمَسَائِل الْمُسْتَحْدَثَةِ إِلَى قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ الْعَامَّةِ؛ لأَِنَّ أَسَاتِذَةَ هَذِهِ الْمَدْرَسَةِ شَدَّدُوا فِي الرِّوَايَةِ، نَظَرًا لأَِنَّ الْعِرَاقَ كَانَ يَوْمَئِذٍ مَوْطِنَ الْفِتَنِ، فَفِيهِ الشُّعُوبِيُّونَ الَّذِينَ يُكِنُّونَ الْعَدَاءَ لِلإِْسْلاَمِ، وَلَكِنَّهُمْ يُعَبِّرُونَ عَنْ ذَلِكَ بِكَرَاهِيَتِهِمْ لِلْعَرَبِ، وَمِنْهُمْ الْمَلاَحِدَةُ الَّذِينَ لاَ يَفْتَئُونَ يُثِيرُونَ الشُّبُهَاتِ، وَمِنْهُمْ غُلاَةُ الرَّافِضَةِ الَّذِينَ بَالَغُوا فِي حُبِّ عَلِيٍّ حَتَّى جَعَلُوهُ إِلَهًا أَوْ شِبْهَ إِلَهٍ، وَمِنْهُمْ الْخَوَارِجُ الَّذِينَ يَكْرَهُونَ عَلِيًّا وَشِيعَتَهُ، بَل وَيَسْتَبِيحُونَ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ عَلَى غَيْرِ نِحْلَتِهِمْ، وَمِنْهُمْ وَمِنْهُمْ. . . فَكَانَ الْفُقَهَاءُ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ يَتَحَرَّوْنَ فِي الرِّوَايَةِ، وَيُدَقِّقُونَ فِيهَا، وَيَضَعُونَ شُرُوطًا لَمْ يَلْتَزِمْهَا أَهْل الْحِجَازِ.
وَذَلِكَ أَنَّهُمْ اعْتَبَرُوا عَمَل الصَّحَابِيِّ أَوِ التَّابِعِيِّ بِغَيْرِ مَا رَوَى قَدْحًا فِي رِوَايَتِهِ. فَيَحْمِلُونَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ عَلَى أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ أَوْ مُؤَوَّلَةٌ. وَكَذَلِكَ يَعْتَبِرُونَ أَنَّ انْفِرَادَ الثِّقَةِ بِرِوَايَةٍ فِي مَسْأَلَةٍ تَعُمُّ بِهَا الْبَلْوَى قَدْحٌ فِي رِوَايَتِهِ، وَيَحْمِلُونَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ عَلَى أَنَّهَا إِمَّا مَنْسُوخَةٌ أَوْ خَطَأٌ مِنْ الرَّاوِي عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ؛ لأَِنَّهُمْ كَانُوا يَتَحَاشَوْنَ وَصْفَ الثِّقَاتِ بِتَعَمُّدِ الْكَذِبِ، فَالْعَدْل قَدْ يَنْسَى أَوْ يُخْطِئُ.
وَمِنْ هُنَا كَثُرَ اعْتِمَادُ فُقَهَاءِ هَذِهِ الْمَدْرَسَةِ عَلَى الأَْخْذِ بِالرَّأْيِ فِيمَا يَجِدُّ لَهُمْ مِنْ أَحْدَاثٍ، اللَّهُمَّ إِلاَّ إِذَا ثَبَتَتْ عِنْدَهُمْ سُنَّةٌ لاَ شَكَّ فِيهَا، أَوْ كَانَ احْتِمَال الْخَطَأِ فِيهَا احْتِمَالاً ضَعِيفًا.
وَكَانَ زَعِيمُ هَذِهِ الْمَدْرَسَةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. ثُمَّ جَاءَ مِنْ بَعْدِهِ تَلاَمِيذُهُ، وَأَشْهَرُهُمْ عَلْقَمَةُ النَّخَعِيُّ، ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَعَلَيْهِ تَخَرَّجَ أَئِمَّةُ هَذَا الْمَذْهَبِ.
١٧ - لَيْسَ مَعْنَى أَنَّ مَدْرَسَةَ الْحِجَازِ كَانَتْ مَدْرَسَةَ الْحَدِيثِ وَالأَْثَرِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ بَيْنِ فُقَهَائِهَا مَنْ يَعْتَمِدُ عَلَى الرَّأْيِ فِي كَثِيرٍ مِنْ اسْتِنْبَاطَاتِهِ، فَقَدْ عُرِفَ فِي هَذَا الْعَهْدِ مِنْ الْحِجَازِيِّينَ رَبِيعَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، الْمَشْهُورُ بِرَبِيعَةَ الرَّأْيِ، وَهُوَ شَيْخُ الإِْمَامِ مَالِكٍ. كَمَا كَانَ فِي الْعِرَاقِ مَنْ يَكْرَهُ الأَْخْذَ بِالرَّأْيِ كَعَامِرِ بْنِ شَرَاحِيل الْمَشْهُورِ بِالشَّعْبِيِّ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.