الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ:
إِذَا فَرَّعْنَا١ عَلَى أَنَّ الرُّخْصَةَ مُبَاحَةٌ بِمَعْنَى التَّخْيِيرِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعَزِيمَةِ؛ صَارَتِ الْعَزِيمَةُ مَعَهَا مِنَ الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ؛ إِذْ صَارَ هَذَا الْمُتَرَخِّصُ يُقَالُ لَهُ: إِنْ شِئْتَ فَافْعَلِ الْعَزِيمَةَ، وَإِنْ شِئْتَ فَاعْمَلْ بِمُقْتَضَى الرُّخْصَةِ، وَمَا عَمِلَ مِنْهُمَا؛ فَهُوَ الَّذِي وَاقِعٌ وَاجِبًا فِي حَقِّهِ، عَلَى وِزَانِ خِصَالِ الْكَفَّارَةِ؛ فَتَخْرُجُ الْعَزِيمَةُ فِي حَقِّهِ عَنْ أَنْ تَكُونَ عَزِيمَةً.
وَأَمَّا إِذَا فَرَّعْنَا عَلَى أَنَّ الْإِبَاحَةَ فِيهَا بِمَعْنَى رَفْعِ الْحَرَجِ؛ فَلَيْسَتِ الرُّخْصَةُ مَعَهَا مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ؛ لِأَنَّ رَفْعَ الْحَرَجِ لَا يَسْتَلْزِمُ التَّخْيِيرَ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ رَفْعَ الْحَرَجِ مَوْجُودٌ مَعَ الْوَاجِبِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ تَبَيَّنَّا أَنَّ الْعَزِيمَةَ عَلَى أَصْلِهَا مِنَ الْوُجُوبِ الْمُعَيَّنِ الْمَقْصُودِ لِلشَّارِعِ، فَإِذَا فَعَلَ الْعَزِيمَةَ؛ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ لَا عُذْرَ لَهُ فَرْقٌ, لَكِنَّ الْعُذْرَ رَفَعَ الْحَرَجَ عَنِ التَّارِكِ لَهَا إِنِ اخْتَارَ لِنَفْسِهِ الِانْتِقَالَ إِلَى الرُّخْصَةِ، وَقَدْ تَقَرَّرَ قَبْلُ أَنَّ الشَّارِعَ إِنْ كَانَ قَاصِدًا لِوُقُوعِ الرُّخْصَةِ؛ فَذَلِكَ بِالْقَصْدِ الثَّانِي، وَالْمَقْصُودُ بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ هُوَ وُقُوعُ الْعَزِيمَةِ.
وَالَّذِي يُشْبِهُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ الْحَاكِمُ إِذَا تَعَيَّنَتْ لَهُ فِي إِنْفَاذِ الْحُكْمِ بَيِّنَتَانِ، إِحْدَاهُمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ عَادِلَةٌ٢، وَالْأُخْرَى غَيْرُ عَادِلَةٍ٢، فَإِنَّ الْعَزِيمَةَ عَلَيْهِ أَنْ يَحْكُمَ بِمَا أُمِرَ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْعَدَالَةِ فِي قَوْلِهِ تعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطلاق: ٢] .
١ هذا هو بسط ما أجمله في آخر المسألة الرابعة ووعد به هناك. "د".٢ في "ط ": "عدلة".
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.