"مِنْ هَذِهِ"* الْحَيْثِيَّةِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ عُمُومِ الشُّمُولِ وَعُمُومِ الْبَدَلِ، أَنَّ عُمُومَ الشُّمُولِ كُلِّيٌّ يُحْكَمُ فِيهِ عَلَى كُلِّ فَرْدٍ، وَعُمُومَ الْبَدَلِ كُلِّيٌّ مِنْ حَيْثُ أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ تَصَوُّرُ مَفْهُومِهِ مِنْ وُقُوعِ الشَّرِكَةِ فِيهِ، وَلَكِنْ لَا يُحْكَمُ فِيهِ عَلَى كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ، بَلْ عَلَى فَرْدٍ شَائِعٍ فِي أَفْرَادِهِ يَتَنَاوَلُهَا عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ، وَلَا يَتَنَاوَلُ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهَا دُفْعَةً.
قَالَ فِي "الْمَحْصُولِ": اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى الْحَقِيقَةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ هِيَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ فِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى شَيْءٍ مِنْ قُيُودِ تِلْكَ الْحَقِيقَةِ، سَلْبًا كَانَ ذَلِكَ الْقَيْدُ أَوْ إِيجَابًا فَهُوَ الْمُطْلَقُ، وَأَمَّا اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى تِلْكَ الْحَقِيقَةِ مَعَ قَيْدِ الْكَثْرَةِ فَإِنْ كَانَتِ الْكَثْرَةُ كَثْرَةً مُعَيَّنَةً بِحَيْثُ لَا تَتَنَاوَلُ مَا يَدُلُّ عَلَيْهَا فَهُوَ اسْمُ الْعَدَدِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنِ الْكَثْرَةُ كَثْرَةً مُعَيَّنَةً فَهُوَ الْعَامُّ، وَبِهَذَا ظَهَرَ خَطَأُ مَنْ قَالَ الْمُطْلَقُ هُوَ الدَّالُّ عَلَى وَاحِدٍ لَا بِعَيْنِهِ فَإِنَّ كَوْنَهُ وَاحِدًا وَغَيْرَ مُعَيَّنٍ قَيْدَانِ زَائِدَانِ عَلَى الْمَاهِيَّةِ. انتهى.
فيجعل في كلامه هذا معنى الْمُطْلَقُ عَنِ التَّقْيِيدِ، فَلَا يَصْدُقُ إِلَّا عَلَى الْحَقِيقَةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ هِيَ، وَهُوَ غَيْرُ مَا عَلَيْهِ الِاصْطِلَاحُ عِنْدَ أَهْلِ هَذَا الْفَنِّ وَغَيْرِهِمْ كَمَا عَرَفْتَ مِمَّا قَدَّمْنَا.
وَقَدْ تَعَرَّضَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الْعُمُومِ وَالْعَامِّ، فَقَالَ: الْعَامُّ هُوَ اللَّفْظُ الْمُتَنَاوِلُ، وَالْعُمُومُ تَنَاوُلُ اللَّفْظِ لِمَا يَصْلُحُ لَهُ، فَالْعُمُومُ مَصْدَرٌ، وَالْعَامُّ، فَاعِلٌ مُشْتَقٌّ مِنْ هَذَا الْمَصْدَرِ وَهُمَا مُتَغَايِرَانِ؛ لِأَنَّ الْمَصْدَرَ وَالْفِعْلَ غَيْرُ الْفَاعِلِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ فِي "الْبَحْرِ": وَمِنْ هَذَا يَظْهَرُ الْإِنْكَارُ عَلَى عَبْدِ الْجَبَّارِ وَابْنِ بُرْهَانٍ وَغَيْرِهِمَا فِي قَوْلِهِمْ: الْعُمُومُ اللَّفْظُ الْمُسْتَغْرِقُ، فَإِنْ قِيلَ: أَرَادُوا بِالْمَصْدَرِ اسْمَ الْفَاعِلِ، قُلْنَا: اسْتِعْمَالُهُ فِيهِ مَجَازٌ، وَلَا ضَرُورَةَ لِارْتِكَابِهِ مَعَ إِمْكَانِ الْحَقِيقَةِ.
وَفَرَّقَ الْقَرَافِيُّ بَيْنَ الْأَعَمِّ وَالْعَامِّ، بِأَنَّ الْأَعَمَّ إِنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْمَعْنَى وَالْعَامُّ فِي اللَّفْظِ، فَإِذَا قِيلَ هَذَا أَعَمُّ تَبَادَرَ الذِّهْنُ لِلْمَعْنَى، وَإِذَا قِيلَ هذا عام تبادر الذهن للفظ.
* في "أ": باعبتار.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.