وَلَا يَخْفَاكَ أَنَّ دَعْوَى اخْتِصَاصِ مَنْ بِالذُّكُورِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُنْسَبَ "إِلَى مَنْ يَعْرِفُ لُغَةَ الْعَرَبِ، بَلْ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُنْسَبَ"* إِلَى مَنْ لَهُ أَدْنَى فَهْمٍ.
الرَّابِعُ: مَا يُسْتَعْمَلُ بِعَلَامَةِ التَّأْنِيثِ فِي الْمُؤَنَّثِ، وَبِحَذْفِهَا فِي الْمُذَكَّرِ، وَذَلِكَ الْجَمْعُ السَّالِمُ نَحْوَ مُسْلِمِينَ لِلذُّكُورِ وَمُسْلِمَاتٍ لِلْإِنَاثِ، وَنَحْوَ فَعَلُوا وَفَعَلْنَ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ النِّسَاءُ فِيمَا هُوَ لِلذُّكُورِ إِلَّا بِدَلِيلٍ كَمَا لَا يَدْخُلُ الرِّجَالُ فيما هو النساء إِلَّا بِدَلِيلٍ.
قَالَ الْقَفَّالُ: وَأَصْلُ هَذَا أَنَّ الْأَسْمَاءَ وُضِعَتْ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْمُسَمَّى فَحَصَلَ كُلُّ نَوْعٍ بِمَا يُمَيِّزُهُ فَالْأَلِفُ وَالتَّاءُ جُعِلَتَا عَلَمًا لِجَمْعِ الْإِنَاثِ، وَالْوَاوُ وَالْيَاءُ وَالنُّونُ لِجَمْعِ الذُّكُورِ وَالْمُؤْمِنَاتُ غَيْرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَقَاتَلُوا خِلَافُ قَاتَلْنَ، ثُمَّ قَدْ تَقُومُ قَرَائِنُ تَقْتَضِي اسْتِوَاءَهُمَا فَيُعْلَمُ بِذَلِكَ دُخُولُ الْإِنَاثِ فِي الذُّكُورِ، وَقَدْ لَا تَقُومُ قَرَائِنُ فَيُلْحَقْنَ بِالذُّكُورِ بِالِاعْتِبَارِ وَالدَّلَائِلِ، كَمَا يُلْحَقُ الْمَسْكُوتُ عَنْهُ بِالْمَذْكُورِ بِدَلِيلٍ.
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى هَذَا إِجْمَاعُ أَهْلِ اللُّغَةِ عَلَى أَنَّهُ إِذَا اجْتَمَعَ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ غُلِّبَ الْمُذَكَّرُ، فَلَوْلَا أَنَّ التَّسْمِيَةَ لِلْمُذَكَّرِ لَمْ يَكُنْ هُوَ الْغَالِبَ، وَلَمْ يَكُنْ حَظُّهُ فِيهَا كَحَظِّ الْمُؤَنَّثِ، وَلَكِنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُمَا إِذَا اجْتَمَعَا "اسْتَقَلَّ"** إِفْرَادُ كُلٍّ مِنْهُمَا بِوَصْفٍ فَغُلِّبَ الْمُذَكَّرُ وَجُعِلَ الْحُكْمُ لَهُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ تَوَابِعُ. انْتَهَى.
قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو الْمَنْصُورِ وَسُلَيْمٌ الرَّازِيُّ: وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِنَا، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ، وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ، وَإِلْكِيَا الْهَرَّاسُ، وَنَصَرَهُ ابْنُ بُرْهَانٍ وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ، وَنَقَلَهُ عَنْ مُعْظَمِ الْفُقَهَاءِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ الْقُشَيْرِيِّ عَنْ مُعْظَمِ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَذَهَبَتِ الْحَنَفِيَّةُ كَمَا حَكَاهُ عَنْهُمْ سُلَيْمٌ الرَّازِيُّ وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ وَابْنُ السَّاعَاتِيِّ إِلَى أَنَّهُ يَتَنَاوَلُ الذُّكُورَ وَالْإِنَاثَ، وَحَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَحَكَاهُ الْبَاجِيُّ عَنِ ابْنِ خوازمنداد وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ الْحَنَابِلَةِ وَالظَّاهِرِيَّةِ.
وَالْحَقُّ: مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنْ عَدَمِ التَّنَاوُلِ إِلَّا عَلَى طَرِيقَةِ التَّغْلِيبِ عِنْدَ قِيَامِ الْمُقْتَضِي لِذَلِكَ لِاخْتِصَاصِ الصِّيغَةِ لُغَةً وَوُقُوعِ التَّصْرِيحِ بِمَا يَخْتَصُّ بِالنِّسَاءِ مَعَ مَا يَخْتَصُّ بِالرِّجَالِ فِي نَحْوِ {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَات} ١، وَقَدْ ثَبَتَ فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ النِّسَاءَ قُلْنَ: مَا نَرَى اللَّهَ سُبْحَانَهُ ذَكَرَ إِلَّا الرِّجَالَ ... فَنَزَلَتْ٢.
* ما بين قوسين ساقط من "أ".** في "أ": استثقل.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.