وَالثَّانِي:
أَنَّ لَهَا تَأْوِيلًا، وَلَكِنَّا نُمْسِكُ عَنْهُ، مَعَ تَنْزِيهِ اعْتِقَادِنَا عَنِ التَّشْبِيهِ وَالتَّعْطِيلِ، لِقَوْلِهِ تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} ١ قَالَ ابْنُ بَرْهَانَ: وَهَذَا قَوْلُ السَّلَفِ.
قُلْتُ: وَهَذَا هُوَ الطَّرِيقَةُ الْوَاضِحَةُ، وَالْمَنْهَجُ الْمَصْحُوبُ بِالسَّلَامَةِ عَنِ الْوُقُوعِ فِي مُهَاوِي التَّأْوِيلِ، لِمَا لَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ، وَكَفَى بِالسَّلَفِ الصَّالِحِ قُدْوَةً لِمَنْ أَرَادَ الِاقْتِدَاءَ، وَأُسْوَةً لِمَنْ أَحَبَّ التَّأَسِّيَ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ وُرُودِ الدَّلِيلِ الْقَاضِي بِالْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ، فَكَيْفَ وَهُوَ قَائِمٌ مَوْجُودٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ:
أَنَّهَا مُؤَوَّلَةٌ. قَالَ ابْنُ بَرْهَانَ: وَالْأَوَّلُ مِنْ هَذِهِ الْمَذَاهِبِ بَاطِلٌ، وَالْآخَرَانِ مَنْقُولَانِ عَنِ الصَّحَابَةِ. وَنُقِلَ هَذَا الْمَذْهَبُ الثَّالِثُ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ مسعود، وأم سلمة.
قال أبو عمرو ابن الصَّلَاحِ: النَّاسُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الْمُوهِمَةِ لِلْجِهَةِ وَنَحْوِهَا فِرَقٌ ثَلَاثٌ:
فَفِرْقَةٌ تُؤَوِّلُ، وَفِرْقَةٌ تُشَبِّهُ، وَثَالِثَةٌ تَرَى أَنَّهُ لَمْ يُطْلِقِ الشَّارِعُ مِثْلَ هَذِهِ اللَّفْظَةِ إِلَّا وَإِطْلَاقُهُ سَائِغٌ وَحَسَنٌ قَبُولُهَا مُطْلَقَةً، كَمَا قَالَ مَعَ التَّصْرِيحِ بِالتَّقْدِيسِ وَالتَّنْزِيهِ، وَالتَّبَرِّي مِنَ التَّحْدِيدِ وَالتَّشْبِيهِ. قَالَ: وَعَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ مَضَى صَدْرُ الْأُمَّةِ وَسَادَتُهَا، "وَإِيَّاهَا"* اخْتَارَهَا أَئِمَّةُ الْفُقَهَاءِ وَقَادَتُهَا، وَإِلَيْهَا دَعَا أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ وَأَعْلَامُهُ، وَلَا أَحَدَ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ يَصْدِفُ عَنْهَا وَيَأْبَاهَا، وَأَفْصَحَ الْغَزَالِيُّ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ "بِتَهْجِيرِ"** مَا سِوَاهَا، حَتَّى أَلْجَمَ آخِرًا فِي إِلْجَامِهِ كل عالم وَعَامِّيٍّ عَمَّا عَدَاهَا. قَالَ: "وَهُوَ"*** كِتَابُ "إِلْجَامِ الْعَوَامِّ عَنْ عِلْمِ الْكَلَامِ" وَهُوَ آخِرُ تَصَانِيفِ الْغَزَالِيِّ مُطْلَقًا، حَثَّ فِيهِ عَلَى مَذْهَبِ السَّلَفِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ.
قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي "النُّبَلَاءِ"٢ فِي تَرْجَمَةِ فَخْرِ الدِّينِ الرَّازِيُّ مَا لَفْظُهُ: وَقَدِ اعْتَرَفَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ، حَيْثُ يَقُولُ: لَقَدْ تَأَمَّلْتُ الطُّرُقَ الْكَلَامِيَّةَ وَالْمَنَاهِجَ الْفَلْسَفِيَّةَ، فَمَا رَأَيْتُهَا تَشْفِي عَلِيلًا، وَلَا تَرْوِي غَلِيلًا، وَرَأَيْتُ أَقْرَبَ الطُّرُقِ طَرِيقَةَ الْقُرْآنِ، اقْرَأْ فِي الْإِثْبَاتِ: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} ٣، {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} ٤، واقرأ في النفي: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} ٥؛
* ما بين قوسين ساقط من "أ".** في "أ": بهجر.*** في "أ": وهذا.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.