ما كان يفعلها قبلها لم يتعد بِهِ، وَذَلِكَ كَزِيَادَةِ رَكْعَةٍ "كَانَتْ"* نَسْخًا، وَإِنْ كَانَ الْمَزِيدُ عَلَيْهِ يَصِحُّ فِعْلُهُ بِدُونِ الزِّيَادَةِ لَمْ تَكُنْ نَسْخًا، كَزِيَادَةِ التَّغْرِيبِ عَلَى الْجَلْدِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عَبْدُ الْجَبَّارِ، كَمَا حَكَاهُ عَنْهُ صَاحِبُ "الْمُعْتَمَدِ"، وَابْنُ الْحَاجِبِ، وَغَيْرُهُمَا، وَحَكَاهُ سَلِيمٌ عَنِ اخْتِيَارِ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيِّ، وَالْإِسْتَرَابَادِيِّ١، وَالْبَصْرِيِّ٢.
الْخَامِسُ: التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ تَتَّصِلَ بِهِ فَهِيَ نَسْخٌ، وَبَيْنَ أَنْ تَنْفَصِلَ عَنْهُ، فَلَا تَكُونُ نَسْخًا، حَكَاهُ ابْنُ بَرْهَانَ عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ أَيْضًا، وَاخْتَارَهُ الْغَزَالِيُّ.
السَّادِسُ: إِنْ تَكُنِ الزِّيَادَةُ مُغَيِّرَةً لِحُكْمِ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، كانت نسخًا، وإن لَمْ تُغَيِّرْ حُكْمَهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، بِأَنْ كَانَتْ مُقَارَنَةً، لَمْ تَكُنْ نَسْخًا، حَكَاهُ ابْنُ فُورَكَ عَنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ.
قَالَ صَاحِبُ "الْمُعْتَمَدِ": وَبِهِ قَالَ شَيْخُنَا أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ.
السَّابِعُ: أَنَّ الزِّيَادَةَ إِنْ رَفَعَتْ حُكْمًا عَقْلِيًّا، أَوْ مَا ثَبَتَ بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ، كَبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ، لَمْ تَكُنْ نَسْخًا؛ لِأَنَّا لَا نَعْتَقِدُ أَنَّ الْعَقْلَ يُوجِبُ الْأَحْكَامَ، وَمَنْ يَعْتَقِدُ إِيجَابَهُ لَا يَعْتَقِدُ أَنَّ رَفْعَهَا يَكُونُ نَسْخًا، وَإِنْ تَضَمَّنَتْ رَفْعَ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ، كَانَتْ نَسْخًا.
حَكَى هَذَا التَّفْصِيلَ ابْنُ بَرْهَانَ فِي "الْأَوْسَطِ" عَنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ: إِنَّهُ الْحَقُّ، وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ، وَابْنُ الْحَاجِبِ، وَالْفَخْرُ الرَّازِيُّ، وَالْبَيْضَاوِيُّ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ فِي "الْمُعْتَمَدِ"، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيِّ فِي "مُخْتَصَرِ التَّقْرِيبِ"، وَظَاهِرُ كَلَامِ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ الْجُوَيْنِيِّ فِي "الْبُرْهَانِ".
قَالَ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ: إِنَّهُ أَجْوَدُ الطُّرُقِ وَأَحْسَنُهَا، فَهَذِهِ الْأَقْوَالُ كَمَا تَرَى.
قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: إِنَّ هَذِهِ التَّفَاصِيلَ لَا حَاصِلَ لَهَا، وَلَيْسَتْ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ، فَإِنَّهُ لَا رَيْبَ عِنْدَ الْكُلِّ أَنَّ مَا رَفَعَ حُكْمًا شَرْعِيًّا كَانَ نَسْخًا حَقِيقَةً، وَلَيْسَ الْكَلَامُ هُنَا فِي مَقَامِ أَنَّ النَّسْخَ رَفْعٌ أَوْ بَيَانٌ، وَمَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلَيْسَ بِنَسْخٍ، فَإِنَّ الْقَائِلَ: "أَنَا أَفْصِلُ"** بَيْنَ مَا رَفَعَ حكمًا
* في "أ": تكون.** في "أ": إنما فصل.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.