وَالرَّهْنُ حَقٌّ لَازِمٌ فَيَسْرِي إلَيْهِ (وَهَلَكَ مَجَّانًا) أَيْ إنْ هَلَكَ هَلَكَ بِلَا شَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْأَتْبَاعَ لَا قِسْطَ لَهَا مِمَّا يُقَابَلُ بِالْأَصْلِ لِعَدَمِ دُخُولِهَا تَحْتَ الْعَقْدِ مَقْصُودًا، (وَإِنْ بَقِيَ) أَيْ النَّمَاءُ (وَهَلَكَ الْأَصْلُ فُكَّ بِقِسْطِهِ) أَيْ افْتَكَّهُ الرَّاهِنُ بِقِسْطِهِ (يُقْسَمُ الدَّيْنُ عَلَى قِيمَتِهِ) أَيْ قِيمَةِ النَّمَاءِ (يَوْمَ الْفِكَاكِ) بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ، (وَقِيمَةُ الْأَصْلِ) أَيْ أَصْلِ الرَّهْنِ (يَوْمَ الْقَبْضِ) ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ يَصِيرُ مَضْمُونًا بِالْقَبْضِ، وَالزِّيَادَةُ تَصِيرُ مَقْصُودَةً بِالْفِكَاكِ إذَا بَقِيَ إلَى وَقْتِهِ، وَالتَّبَعُ يُقَابِلُهُ شَيْءٌ إذَا كَانَ مَقْصُودًا كَوَلَدِ الْمَبِيعِ فَإِنَّهُ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا حِصَّةَ لَهُ مِنْ الثَّمَنِ، فَإِذَا قَبَضَهُ الْمُشْتَرِي وَصَارَ مَقْصُودًا بِالْقَبْضِ صَارَ لَهُ حِصَّةً مِنْ الثَّمَنِ، (وَيَسْقُطُ مِنْ الدَّيْنِ حِصَّةُ الْأَصْلِ) أَيْ مَا أَصَابَ الْأَصْلَ يَسْقُطُ مِنْ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ يُقَابِلُهُ الْأَصْلُ مَقْصُودًا (وَيَفُكُّ النَّمَاءَ بِحِصَّتِهِ) أَيْ مَا أَصَابَ النَّمَاءَ افْتَكَّهُ الرَّاهِنُ بِهِ (الزِّيَادَةُ تَصِحُّ فِي الرَّهْنِ) مِثْلُ أَنْ يَرْهَنَ ثَوْبًا بِعَشَرَةٍ يُسَاوِي عَشَرَةً، ثُمَّ يَزِيدُ الرَّاهِنُ ثَوْبًا آخَرَ لِيَكُونَ مَعَ الْأَوَّلِ رَهْنًا بِالْعَشَرَةِ (لَا الدَّيْنِ) مِثْلُ أَنْ يَقُولَ الرَّاهِنُ أَقْرِضْنِي خَمْسَمِائَةٍ أُخْرَى عَلَى أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ الَّذِي عِنْدَك رَهْنًا بِأَلْفٍ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْأَصْلَ الْمُقَرَّرُ بَيْنَهُمْ أَنَّ الْإِلْحَاقَ بِأَصْلِ الْعَقْدِ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ إذَا كَانَتْ الزِّيَادَةُ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ أَوْ الْمَعْقُودِ بِهِ، فَالزِّيَادَةُ فِي الدَّيْنِ لَيْسَتْ شَيْئًا مِنْهُمَا، أَمَّا كَوْنُهَا غَيْرَ مَعْقُودٍ عَلَيْهِ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا كَوْنُهَا غَيْرَ مَعْقُودٍ بِهِ فَلِوُجُودِهِ بِسَبَبِهِ قَبْلَ الرَّهْنِ بِخِلَافِ الرَّهْنِ فَإِنَّهُ مَعْقُودٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَحْبُوسًا قَبْلَ عَقْدِ الرَّهْنِ وَلَا يَبْقَى بَعْدَهُ.
(رَهَنَ عَبْدًا يُسَاوِي أَلْفًا فَدَفَعَ مِثْلَهُ) أَيْ عَبْدًا يُسَاوِي أَلْفًا (رَهْنًا بَدَلَهُ فَهُوَ) أَيْ الْأَوَّلُ (رَهْنٌ حَتَّى يَرُدَّهُ إلَى رَاهِنِهِ، وَالْمُرْتَهِنُ أَمِينٌ فِي الثَّانِي حَتَّى يَجْعَلَهُ مَكَانَ الْأَوَّلِ) ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ دَخَلَ فِي ضَمَانِهِ بِالْقَبْضِ وَالدَّيْنِ فَلَا يَخْرُجُ عَنْهُ مَا بَقِيَا إلَّا بِنَقْضِ الْقَبْضِ، فَإِذَا كَانَ الْأَوَّلُ فِي ضَمَانِهِ لَا يَدْخُلُ الثَّانِي فِيهِ؛ لِأَنَّهُمَا رَضِيَا بِدُخُولِ أَحَدِهِمَا فِيهِ فَإِذَا زَالَ الْأَوَّلُ دَخَلَ الثَّانِي فِي ضَمَانِهِ، ثُمَّ قِيلَ يُشْتَرَطُ تَجْدِيدُ الْقَبْضِ مِنْهُ؛ لِأَنَّ يَدَ الْمُرْتَهِنِ عَلَى الثَّانِي يَدُ أَمَانَةٍ، وَيَدَ الرَّاهِنِ يَدُ اسْتِيفَاءٍ، وَضَمَانُ فُلَانٍ يَنُوبُ عَنْهُ، وَقِيلَ لَا يُشْتَرَطُ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ تَبَرُّعٌ كَالْهِبَةِ وَعَيْنُهُ أَمَانَةٌ كَمَا عَرَفْت وَقَبْضُ الْأَمَانَةِ يَنُوبُ عَنْ قَبْضِ الْأَمَانَةِ.
(أَبْرَأَ الْمُرْتَهِنُ الرَّاهِنَ عَنْ دَيْنِهِ فَقَبِلَهُ) أَيْ قَبِلَ الرَّاهِنُ الْإِبْرَاءَ (أَوْ وَهَبَهُ لَهُ فَهَلَكَ الرَّهْنُ) فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ بِلَا مَنْعٍ مِنْ صَاحِبِهِ (هَلَكَ مَجَّانًا) اسْتِحْسَانًا وَقَالَ زُفَرُ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ لِلرَّاهِنِ، وَهُوَ الْقِيَاسُ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ وَقَعَ مَضْمُونًا فَبَقِيَ كَذَلِكَ مَا بَقِيَ الْقَبْضُ، وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ ضَمَانَ الرَّهْنِ بِاعْتِبَارِ الْقَبْضِ وَالدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ ضَمَانُ اسْتِيفَاءٍ وَذَا لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِاعْتِبَارِ الدَّيْنِ وَبِالْإِبْرَاءِ لَمْ يَبْقَ أَحَدُهُمَا، وَهُوَ الدَّيْنُ وَالْحُكْمُ الثَّابِتُ بِعِلَّةٍ ذَاتِ وَصْفَيْنِ يَزُولُ بِزَوَالِ أَحَدِهِمَا، وَلِهَذَا لَوْ رَدَّ الرَّهْنَ سَقَطَ الضَّمَانُ لِعَدَمِ الْقَبْضِ وَإِنْ بَقِيَ الدَّيْنُ فَكَذَا إذَا بَرَأَ عَنْ الدَّيْنِ سَقَطَ الضَّمَانُ لِعَدَمِ الدَّيْنِ، وَإِنْ بَقِيَ الْقَبْضُ (وَلَوْ اسْتَوْفَاهُ) أَيْ الْمُرْتَهِنُ دَيْنَهُ (بِالتَّمَامِ أَوْ بَعْضِهِ بِإِيفَاءِ الرَّاهِنِ أَوْ مُتَطَوِّعٍ أَوْ شِرَائِهِ عَيْنًا بِهِ) أَيْ بِالدَّيْنِ (أَوْ صُلْحِهِ عَنْهُ) أَيْ عَنْ الدَّيْنِ (عَلَى عَيْنٍ أَوْ إحَالَتِهِ مُرْتَهِنَهُ بِدَيْنِهِ عَلَى آخَرَ فَهَلَكَ فِي يَدِهِ) أَيْ الْمُرْتَهِنِ (هَلَكَ بِالدَّيْنِ) ؛ لِأَنَّ نَفْسَ الدَّيْنِ لَا يَسْقُطُ بِالِاسْتِيفَاءِ وَنَحْوِهِ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ الدُّيُونَ تُقْضَى بِأَمْثَالِهَا لَا بِأَنْفُسِهَا لَكِنَّ الِاسْتِيفَاءَ يَتَعَذَّرُ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ؛ لِأَنَّهُ يَعْقُبُ مُطَالَبَةَ مِثْلِهِ فَإِذَا هَلَكَ الرَّهْنُ تَقَرَّرَ
ــ
[حاشية الشرنبلالي]
قَوْلُهُ وَهَلَكَ) يَعْنِي النَّمَاءَ مَجَّانًا كَذَا لَوْ اسْتَهْلَكَهُ بِإِذْنِ الْمَالِكِ بِأَنْ قَالَ مَهْمَا زَادَ فَكُلْهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَلَا يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنْ الدَّيْنِ، وَيَجُوزُ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ وَإِذَا افْتَكَّ الرَّهْنَ قَسَمَ الدَّيْنَ عَلَى الزِّيَادَةِ الْمُسْتَهْلَكَةِ وَالْأَصْلِ فَمَا أَصَابَهُ سَقَطَ وَمَا أَصَابَ الزِّيَادَةَ أَخَذَهُ الْمُرْتَهِنُ مِنْ الرَّاهِنِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ (قَوْلُهُ لَا الدَّيْنِ) يَعْنِي أَنَّ الزِّيَادَةَ فِي الدَّيْنِ لَا تَصِحُّ بِمَعْنَى أَنَّ الرَّهْنَ لَا يَكُونُ رَهْنًا بِالزِّيَادَةِ مَعَ الْأَصْلِ، وَأَمَّا نَفْسُ الزِّيَادَةِ فَصَحِيحَةٌ؛ لِأَنَّ الِاسْتِدَانَةَ بَعْدَ الِاسْتِدَانَةِ قَبْلَ قَضَاءِ الْأَوَّلِ جَائِزَةٌ إجْمَاعًا (قَوْلُهُ وَأَمَّا كَوْنُهَا غَيْرَ مَعْقُودٍ بِهِ فَلِوُجُودِهِ بِسَبَبِهِ قَبْلَ الرَّهْنِ) يَعْنِي فَلِوُجُودِ الدَّيْنِ بِسَبَبِهِ وَهُوَ الِاسْتِدَانَةُ قَبْلَ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ فُسِخَ الرَّهْنُ يَبْقَى الدَّيْنُ.
(قَوْلُهُ وَيَدُ الرَّاهِنِ يَدُ اسْتِيفَاءٍ وَضَمَانٍ) صَوَابُهُ وَيَدُ الْمُرْتَهِنِ فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ أَبْرَأَ الْمُرْتَهِنُ الرَّاهِنَ عَنْ دَيْنِهِ فَقَبِلَهُ) الْقَبُولُ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الْإِبْرَاءِ لِمَا قَالَ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ أَبْرَأَ مَدْيُونَهُ فَسَكَتَ يَبْرَأُ وَلَوْ رَدَّ يَرْتَدُّ بِرَدِّهِ اهـ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.