تُثْمِرُ كَلِمًا كَثِيرًا طَيِّبًا يُقَارِنُهُ عَمَلٌ صَالِحٌ فَيَرْفَعُ الْعَمَلُ الصَّالِحُ الْكَلِمَ الطَّيِّبَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: ١٠] فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ الْعَمَلَ الصَّالِحَ يَرْفَعُ الْكَلِمَ الطَّيِّبَ، وَأَخْبَرَ أَنَّ الْكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ تُثْمِرُ لِقَائِلِهَا عَمَلًا صَالِحًا كُلَّ وَقْتٍ.
[أَثَرُ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ]
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ إذَا شَهِدَ بِهَا الْمُؤْمِنُ عَارِفًا بِمَعْنَاهَا وَحَقِيقَتِهَا نَفْيًا وَإِثْبَاتًا مُتَّصِفًا بِمُوجِبِهَا قَائِمًا قَلْبُهُ وَلِسَانُهُ وَجَوَارِحُهُ بِشَهَادَتِهِ، فَهَذِهِ الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ هِيَ الَّتِي رَفَعَتْ هَذَا الْعَمَلَ مِنْ هَذَا الشَّاهِدِ، أَصْلُهَا ثَابِتٌ رَاسِخٌ فِي قَلْبِهِ، وَفُرُوعُهَا مُتَّصِلَةٌ بِالسَّمَاءِ، وَهِيَ مُخْرِجَةٌ لِثَمَرَتِهَا كُلَّ وَقْتٍ.
وَمِنْ السَّلَفِ مَنْ قَالَ: إنَّ الشَّجَرَةَ الطَّيِّبَةَ هِيَ النَّخْلَةُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الصَّحِيحُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هِيَ الْمُؤْمِنُ نَفْسُهُ كَمَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: حَدَّثَنِي أَبِي حَدَّثَنِي عَمِّي حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ} [إبراهيم: ٢٤] يَعْنِي بِالشَّجَرَةِ الطَّيِّبَةِ الْمُؤْمِنَ، وَيَعْنِي بِالْأَصْلِ الثَّابِتِ فِي الْأَرْضِ وَالْفَرْعِ فِي السَّمَاءِ يَكُونُ الْمُؤْمِنُ يَعْمَلُ فِي الْأَرْضِ وَيَتَكَلَّمُ فَيَبْلُغُ عَمَلُهُ وَقَوْلُهُ السَّمَاءَ وَهُوَ فِي الْأَرْضِ.
وَقَالَ عَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ فِي قَوْلِهِ: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ} [إبراهيم: ٢٤] قَالَ: ذَلِكَ مَثَلُ الْمُؤْمِنِ، لَا يَزَالُ يَخْرُجُ مِنْهُ كَلَامٌ طَيِّبٌ وَعَمَلٌ صَالِحٌ يَصْعَدُ إلَى اللَّهِ.
وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: {أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ} [إبراهيم: ٢٤] قَالَ: ذَلِكَ الْمُؤْمِنُ، ضَرَبَ مَثَلَهُ فِي الْإِخْلَاصِ لِلَّهِ وَحْدَهُ وَعِبَادَتَهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، أَصْلُهَا ثَابِتٌ، قَالَ: أَصْلُ عَمَلِهِ ثَابِتٌ فِي الْأَرْضِ، وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ، قَالَ: ذِكْرُهُ فِي السَّمَاءِ، وَلَا اخْتِلَافَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ، وَالْمَقْصُودُ بِالْمَثَلِ الْمُؤْمِنُ، وَالنَّخْلَةُ مُشَبَّهَةٌ بِهِ وَهُوَ مُشَبَّهٌ بِهَا، وَإِذَا كَانَتْ النَّخْلَةُ شَجَرَةً طَيِّبَةً فَالْمُؤْمِنُ الْمُشَبَّهُ بِهَا أَوْلَى أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ، وَمَنْ قَالَ مِنْ السَّلَفِ إنَّهَا شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ فَالنَّخْلَةُ مِنْ أَشْرَفِ أَشْجَارِ الْجَنَّةِ.
[بَعْضُ أَسْرَارِ تَشْبِيهِ الْمُؤْمِنِ بِالشَّجَرَةِ]
وَفِي هَذَا الْمَثَلِ مِنْ الْأَسْرَارِ وَالْعُلُومِ وَالْمَعَارِفِ مَا يَلِيقُ بِهِ، وَيَقْتَضِيه عِلْمُ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ وَحِكْمَتُهُ.
فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ الشَّجَرَةَ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ عُرُوقٍ وَسَاقٍ وَفُرُوعٍ وَوَرَقٍ وَثَمَرٍ، فَكَذَلِكَ شَجَرَةُ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ؛ لِيُطَابِقَ الْمُشَبَّهُ الْمُشَبَّهَ بِهِ، فَعُرُوقُهَا الْعِلْمُ وَالْمَعْرِفَةُ وَالْيَقِينُ، وَسَاقُهَا الْإِخْلَاصُ، وَفُرُوعُهَا الْأَعْمَالُ، وَثَمَرَتُهَا مَا تُوجِبُهُ الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ مِنْ الْآثَارِ الْحَمِيدَةِ وَالصِّفَاتِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.