وَالْمَثُوبَةِ، وَيَكُونُ الْعَاجِلُ مُذَكِّرًا بِالْآجِلِ، وَالْقَلِيلُ الْمُنْقَطِعُ بِالْكَثِيرِ الْمُتَّصِلِ، وَالْحَاضِرُ الْفَائِتُ مُؤْذِنًا بِالْغَائِبِ الدَّائِمِ، فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَأَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ وَأَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، وَسُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَظُنُّهُ بِهِ مَنْ لَمْ يُقَدِّرْهُ مِمَّنْ أَنْكَرَ أَسْمَاءَهُ وَصِفَاتِهِ وَأَمْرَهُ وَنَهْيَهُ وَوَعْدَهُ وَوَعِيدَهُ، وَظَنَّ بِهِ ظَنَّ السَّوْءِ فَأَرْدَاهُ ظَنُّهُ فَأَصْبَحَ مِنْ الْخَاسِرِينَ.
[مِنْ حِكْمَةِ اللَّهِ شَرْعُ الْحُدُودِ]
فَكَانَ مِنْ بَعْضِ حِكْمَتِهِ سُبْحَانَهُ وَرَحْمَتِهِ أَنْ شَرَعَ الْعُقُوبَاتِ فِي الْجِنَايَاتِ الْوَاقِعَةِ بَيْنَ النَّاسِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، فِي الرُّءُوسِ وَالْأَبْدَانِ وَالْأَعْرَاضِ وَالْأَمْوَالِ، كَالْقَتْلِ وَالْجِرَاحِ وَالْقَذْفِ وَالسَّرِقَةِ؛ فَأَحْكَمَ سُبْحَانَهُ وُجُوهَ الزَّجْرِ الرَّادِعَةَ عَنْ هَذِهِ الْجِنَايَاتِ غَايَةَ الْإِحْكَامِ، وَشَرَعَهَا عَلَى أَكْمَلِ الْوُجُوهِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِمَصْلَحَةِ الرَّدْعِ وَالزَّجْرِ، مَعَ عَدَمِ الْمُجَاوَزَةِ لِمَا يَسْتَحِقُّهُ الْجَانِي مِنْ الرَّدْعِ؛ فَلَمْ يَشْرَعْ فِي الْكَذِبِ قَطْعَ اللِّسَانِ وَلَا الْقَتْلَ، وَلَا فِي الزِّنَا الْخِصَاءَ، وَلَا فِي السَّرِقَةِ إعْدَامَ النَّفْسِ.
وَإِنَّمَا شَرَعَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ مَا هُوَ مُوجِبُ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ مِنْ حِكْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَلُطْفِهِ وَإِحْسَانِهِ وَعَدْلِهِ لِتَزُولَ النَّوَائِبُ، وَتَنْقَطِعَ الْأَطْمَاعُ عَنْ التَّظَالُمِ وَالْعُدْوَانِ، وَيَقْتَنِعَ كُلُّ إنْسَانٍ بِمَا آتَاهُ مَالِكُهُ وَخَالِقُهُ؛ فَلَا يَطْمَعُ فِي اسْتِلَابِ غَيْرِهِ حَقَّهُ.
[تَفَاوَتَتْ الْجِنَايَاتُ فَتَفَاوَتَتْ الْعُقُوبَاتُ]
وَمَعْلُومٌ أَنَّ لِهَذِهِ الْجِنَايَاتِ الْأَرْبَعِ مَرَاتِبَ مُتَبَايِنَةً فِي الْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ، وَدَرَجَاتٍ مُتَفَاوِتَةٍ فِي شِدَّةِ الضَّرَرِ وَخِفَّتِهِ، كَتَفَاوُتِ سَائِرِ الْمَعَاصِي فِي الْكِبَرِ وَالصِّغَرِ وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ.
وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ النَّظْرَةَ الْمُحَرَّمَةَ لَا يَصْلُحُ إلْحَاقُهَا فِي الْعُقُوبَةِ بِعُقُوبَةِ مُرْتَكِبِ الْفَاحِشَةِ، وَلَا الْخَدْشَةِ بِالْعُودِ بِالضَّرْبَةِ بِالسَّيْفِ، وَلَا الشَّتْمِ الْخَفِيفِ بِالْقَذْفِ بِالزِّنَا وَالْقَدَحِ فِي الْأَنْسَابِ؛ وَلَا سَرِقَةِ اللُّقْمَةِ وَالْفَلْسِ بِسَرِقَةِ الْمَالِ الْخَطِيرِ الْعَظِيمِ، فَلَمَّا تَفَاوَتَتْ مَرَاتِبُ الْجِنَايَاتِ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ تَفَاوُتِ مَرَاتِبِ الْعُقُوبَاتِ، وَكَانَ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ النَّاسَ لَوْ وُكِّلُوا إلَى عُقُولِهِمْ فِي مَعْرِفَةِ ذَلِكَ وَتَرْتِيبِ كُلِّ عُقُوبَةٍ عَلَى مَا يُنَاسِبُهَا مِنْ الْجِنَايَةِ جِنْسًا وَوَصْفًا وَقَدْرًا لَذَهَبَتْ بِهِمْ الْآرَاءُ كُلَّ مَذْهَبٍ، وَتَشَعَّبَتْ بِهِمْ الطُّرُقُ كُلَّ مُشَعَّبٍ، وَلَعَظُمَ الِاخْتِلَافُ وَاشْتَدَّ الْخَطْبُ، فَكَفَاهُمْ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ وَأَحْكُمُ الْحَاكِمِينَ مُؤْنَةَ ذَلِكَ، وَأَزَالَ عَنْهُمْ كُلْفَتَهُ، وَتَوَلَّى بِحِكْمَتِهِ وَعِلْمِهِ وَرَحْمَتِهِ تَقْدِيرَهُ نَوْعًا وَقَدْرًا، وَرَتَّبَ عَلَى كُلِّ جِنَايَةٍ مَا يُنَاسِبُهَا مِنْ الْعُقُوبَةِ وَيَلِيقُ بِهَا مِنْ النَّكَالِ، ثُمَّ بَلَغَ مِنْ سَعَةِ رَحْمَتِهِ وَجُودِهِ أَنْ جَعَلَ تِلْكَ الْعُقُوبَاتِ كَفَّارَاتٍ لِأَهْلِهَا، وَطُهْرَةً تُزِيلُ عَنْهُمْ الْمُؤَاخَذَةَ بِالْجِنَايَاتِ إذَا قَدِمُوا عَلَيْهِ، وَلَا سِيَّمَا إذَا كَانَ مِنْهُمْ بَعْدَهَا التَّوْبَةُ النَّصُوحُ وَالْإِنَابَةُ؛ فَرَحِمَهُمْ بِهَذِهِ الْعُقُوبَاتِ أَنْوَاعًا مِنْ الرَّحْمَةِ فِي الدُّنْيَا
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.