لَأَهْلَكَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَفَسَدَ نِظَامُ الْعَالَمِ، وَصَارَتْ حَالُ الدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ وَالْوُحُوشِ أَحْسَنَ مِنْ حَالِ بَنِي آدَمَ، وَإِنْ قَالَ: " بَلْ لَا تَتِمُّ الْمَصْلَحَةُ إلَّا بِذَلِكَ "؛ قِيلَ لَهُ: مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ عُقُوبَةَ الْجُنَاةِ وَالْمُفْسِدِينَ لَا تَتِمُّ إلَّا بِمُؤْلِمٍ يَرْدَعُهُمْ، وَيَجْعَلُ الْجَانِيَ نَكَالًا وَعِظَةً لِمَنْ يُرِيدُ أَنْ يَفْعَلَ مِثْلَ فِعْلِهِ، وَعِنْدَ هَذَا فَلَا بُدَّ مِنْ إفْسَادِ شَيْءٍ مِنْهُ بِحَسَبِ جَرِيمَتِهِ فِي الْكِبَرِ وَالصِّغَرِ وَالْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ.
[التَّسْوِيَةُ فِي الْعُقُوبَاتِ مَعَ اخْتِلَافِ الْجَرَائِمِ لَا تَلِيقُ بِالْحِكْمَةِ]
وَمِنْ الْمَعْلُومِ بِبَدَائِهِ الْعُقُولِ أَنَّ التَّسْوِيَةَ فِي الْعُقُوبَاتِ مَعَ تَفَاوُتِ الْجَرَائِمِ غَيْرُ مُسْتَحْسَنٍ، بَلْ مُنَافٍ لِلْحِكْمَةِ وَالْمَصْلَحَةِ؛ فَإِنَّهُ إنْ سَاوَى بَيْنَهَا فِي أَدْنَى الْعُقُوبَاتِ لَمْ تَحْصُلْ مَصْلَحَةُ الزَّجْرِ، وَإِنْ سَاوَى بَيْنَهَا فِي أَعْظَمِهَا كَانَ خِلَافَ الرَّحْمَةِ وَالْحِكْمَةِ؛ إذْ لَا يَلِيقُ أَنْ يَقْتُلَ بِالنَّظْرَةِ وَالْقُبْلَةِ وَيَقْطَعَ بِسَرِقَةِ الْحَبَّةِ وَالدِّينَارِ.
وَكَذَلِكَ التَّفَاوُتُ بَيْنَ الْعُقُوبَاتِ مَعَ اسْتِوَاءِ الْجَرَائِمِ قَبِيحٌ فِي الْفِطَرِ وَالْعُقُولِ، وَكِلَاهُمَا تَأْبَاهُ حِكْمَةُ الرَّبِّ تَعَالَى وَعَدْلُهُ وَإِحْسَانُهُ إلَى خَلْقِهِ، فَأَوْقَعَ الْعُقُوبَةَ تَارَةً بِإِتْلَافِ النَّفْسِ إذَا انْتَهَتْ الْجِنَايَةُ فِي عِظَمِهَا إلَى غَايَةِ الْقُبْحِ كَالْجِنَايَةِ عَلَى النَّفْسِ أَوْ الدِّينِ أَوْ الْجِنَايَةِ الَّتِي ضَرَرُهَا عَامٌّ؛ فَالْمَفْسَدَةُ الَّتِي فِي هَذِهِ الْعُقُوبَةِ خَاصَّةً، وَالْمَصْلَحَةُ الْحَاصِلَةُ بِهَا أَضْعَافَ أَضْعَافِ تِلْكَ الْمَفْسَدَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: ١٧٩] فَلَوْلَا الْقِصَاصُ لَفَسَدَ الْعَالَمُ، وَأَهْلَكَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ابْتِدَاءً وَاسْتِيفَاءً، فَكَانَ فِي الْقِصَاصِ دَفْعًا لِمَفْسَدَةِ التَّجَرُّؤِ عَلَى الدِّمَاءِ بِالْجِنَايَةِ وَبِالِاسْتِيفَاءِ.
وَقَدْ قَالَتْ الْعَرَبُ فِي جَاهِلِيَّتِهَا: " الْقَتْلُ أَنَفَى لِلْقَتْلِ ".
وَبِسَفْكِ الدِّمَاءِ تُحْقَنُ الدِّمَاءُ؛ فَلَمْ تُغْسَلْ النَّجَاسَةُ بِالنَّجَاسَةِ، بَلْ الْجِنَايَةُ نَجَاسَةٌ وَالْقِصَاصُ طُهْرَةٌ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ مَوْتِ الْقَاتِلِ وَمَنْ اسْتَحَقَّ الْقَتْلَ فَمَوْتُهُ بِالسَّيْفِ أَنْفَعُ لَهُ فِي عَاجِلَتِهِ وَآجِلَتِهِ، وَالْمَوْتُ بِهِ أَسْرَعُ الْمَوْتَاتِ وَأَوْحَاهَا وَأَقَلُّهَا أَلَمًا، فَمَوْتُهُ بِهِ مَصْلَحَةٌ لَهُ وَلِأَوْلِيَاءِ الْقَتِيلِ وَلِعُمُومِ النَّاسِ، وَجَرَى ذَلِكَ مَجْرَى إتْلَافِ الْحَيَوَانِ بِذَبْحِهِ لِمَصْلَحَةِ الْآدَمِيِّ، فَإِنَّهُ حَسَنٌ، وَإِنْ كَانَ فِي ذَبْحِهِ إضْرَارٌ بِالْحَيَوَانِ؛ فَالْمَصَالِحُ الْمَرْتَبَةُ عَلَى ذَبْحِهِ أَضْعَافُ أَضْعَافِ مَفْسَدَةِ إتْلَافِهِ، ثُمَّ هَذَا السُّؤَالُ الْفَاسِدُ يَظْهَرُ فَسَادُهُ وَبُطْلَانُهُ بِالْمَوْتِ الَّذِي خَتَمَهُ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ وَسَاوَى فِيهِ بَيْنَ جَمِيعِهِمْ، وَلَوْلَاهُ لَمَا هَنَأَ الْعَيْشُ، وَلَا وَسِعَتْهُمْ الْأَرْزَاقُ، وَلَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ الْمَسَاكِنُ وَالْمُدُنُ وَالْأَسْوَاقُ وَالطُّرُقَاتُ، وَفِي مُفَارَقَةِ الْبَغِيضِ مِنْ اللَّذَّةِ وَالرَّاحَةِ مَا فِي مُوَاصَلَةِ الْحَبِيبِ، وَالْمَوْتُ مُخَلِّصٌ لِلْحَيِّ، وَالْمَوْتُ مُرِيحٌ لِكُلٍّ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ، وَمُخْرِجٌ مِنْ دَارِ الِابْتِلَاءِ وَالِامْتِحَانِ [وَ] بَابٌ لِلدُّخُولِ فِي دَارِ الْحَيَوَانِ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.