أَعْيَانَهَا، أَيْ قَدْ تَعَرَّضَ قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ لِأَمْثَالِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ، فَلَمَّا بُيِّنَتْ لَهُمْ كَفَرُوا بِهَا، فَاحْذَرُوا مُشَابَهَتَهُمْ وَالتَّعَرُّضَ لِمَا تَعْرِضُوا لَهُ.
وَلَمْ يَنْقَطِعْ حُكْمُ هَذِهِ الْآيَةِ، بَلْ لَا يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِلسُّؤَالِ عَمَّا إنْ بَدَا لَهُ سَاءَهُ، بَلْ يَسْتَعْفِي مَا أَمْكَنَهُ، وَيَأْخُذُ بِعَفْوِ اللَّهِ. وَمِنْ هَهُنَا قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: يَا صَاحِبَ الْمِيزَابِ، لَا تُخْبِرْنَا، لَمَّا سَأَلَهُ رَفِيقُهُ عَنْ مَائِهِ أَطَاهِرٌ أَمْ لَا، وَكَذَلِكَ لَا يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَسْأَلَ رَبَّهُ أَنْ يُبْدِيَ لَهُ مِنْ أَحْوَالِهِ وَعَاقِبَتِهِ مَا طَوَاهُ عَنْهُ وَسَتَرَهُ، فَلَعَلَّهُ يَسُوءُهُ إنْ أُبْدِيَ لَهُ، فَالسُّؤَالُ عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ تَعَرُّضٌ لِمَا يَكْرَهُهُ اللَّهُ؛ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ يَكْرَهَ إبْدَاءَهَا، وَلِذَلِكَ سَكَتَ عَنْهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ.
قَالُوا: وَمَنْ تَدَبَّرَ الْآثَارَ الْمَرْوِيَّةَ فِي ذَمِّ الرَّأْيِ وَجَدَهَا لَا تَخْرُجُ عَنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الْمَذْمُومَةِ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ آثَارَ التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ بِذَلِكَ؛ لِيَتَبَيَّنَ مُرَادُهُمْ: قَالَ الْخُشَنِيُّ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ عَنْ مُجَالِدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: لَعَنَ اللَّهُ أَرَأَيْت
قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: وَثَنًا صَالِحُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: سَأَلْت الشَّعْبِيَّ عَنْ مَسْأَلَةٍ مِنْ النِّكَاحِ فَقَالَ: إنْ أَخْبَرْتُك بِرَأْيِي فَبُلْ عَلَيْهِ.
قَالُوا: فَهَذَا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ فِي رَأْيِهِ، وَهُوَ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ، وَقَدْ لَقِيَ مِائَةً وَعِشْرِينَ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَأَخَذَ عَنْ جُمْهُورِهِمْ.
وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ شُعَيْبٍ ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ ثنا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: مَا جَاءَكُمْ بِهِ هَؤُلَاءِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَخُذُوهُ وَمَا كَانَ مِنْ رَأْيِهِمْ فَاطْرَحُوهُ فِي الْحُشِّ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا سُنَيْدُ بْنُ دَاوُد ثنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ زَيْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: قِيلَ لِجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ: إنَّهُمْ يَكْتُبُونَ مَا يَسْمَعُونَ مِنْك، قَالَ: إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ، يَكْتُبُونَهُ وَأَنَا أَرْجِعُ عَنْهُ غَدًا.
قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ: قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: اجْتِهَادُ الرَّأْيِ هُوَ مُشَاوَرَةُ أَهْلِ الْعِلْمِ، لَا أَنْ يَقُولَ هُوَ بِرَأْيِهِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ: ثنا الْحَوْطِيُّ ثنا إسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ سَوَادَةَ بْنِ زِيَادٍ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.