فَصْلٌ
وَأَمَّا التَّقْدِيرُ الثَّالِثُ - وَهُوَ أَنْ تُقَدِّمَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ عَلَى وَقْتِهِ إذَا خَشِيَتْ الْحَيْضَ فِي وَقْتِهِ - فَهَذَا لَا يُعْلَمُ بِهِ قَائِلٌ، وَالْقَوْلُ بِهِ كَالْقَوْلِ بِتَقْدِيمِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ عَلَى يَوْمِ عَرَفَةَ، وَكِلَاهُمَا مِمَّا لَا سَبِيلَ إلَيْهِ.
وَأَمَّا التَّقْدِيرُ الرَّابِعُ - وَهُوَ أَنْ يُقَالَ يَسْقُطُ عَنْهَا فَرْضُ الْحَجِّ إذَا خَشِيَتْ ذَلِكَ - فَهَذَا وَإِنْ كَانَ أَفْقَهَ مِمَّا قَبْلَهُ مِنْ التَّقْدِيرَاتِ فَإِنَّ الْحَجَّ يَسْقُطُ لِمَا هُوَ دُونَ هَذَا مِنْ الضَّرَرِ - كَمَا لَوْ كَانَ بِالطَّرِيقِ أَوْ بِمَكَّةَ خَوْفٌ، أَوْ أَخْذُ خِفَارَةٍ مُجْحِفَةٍ أَوْ غَيْرِ مُجْحِفَةٍ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مَحْرَمٌ - وَلَكِنَّهُ مُمْتَنِعٌ لِوَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا: أَنَّ لَازِمَهُ سُقُوطُ الْحَجِّ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ النِّسَاءِ أَوْ أَكْثَرِهِنَّ؛ فَإِنَّهُنَّ يَخَفْنَ مِنْ الْحَيْضِ وَخُرُوجِ الرَّكْبِ قَبْلَ الطُّهْرِ، وَهَذَا بَاطِلٌ؛ فَإِنَّ الْعِبَادَاتِ لَا تَسْقُطُ بِالْعَجْزِ عَنْ بَعْضِ شَرَائِطِهَا وَلَا عَنْ بَعْضِ أَرْكَانِهَا، وَغَايَةُ هَذِهِ أَنْ تَكُونَ قَدْ عَجَزَتْ عَنْ شَرْطٍ أَوْ رُكْنٍ، وَهَذَا لَا يُسْقِطُ الْمَقْدُورُ عَلَيْهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: ١٦] وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» وَلِهَذَا وَجَبَتْ الصَّلَاةُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، وَمَا عَجَزَ عَنْهُ مِنْ فُرُوضِهَا أَوْ شُرُوطِهَا سَقَطَ عَنْهُ؛ وَالطَّوَافُ وَالسَّعْيُ إذَا عَجَزَ عَنْهُ مَاشِيًا فَعَلَهُ رَاكِبًا اتِّفَاقًا، وَالصَّبِيُّ يَفْعَلُ عَنْهُ وَلِيُّهُ مَا يَعْجِزُ عَنْهُ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ فِي الْكَلَامِ فِيمَنْ تَكَلَّفَتْ وَحَجَّتْ وَأَصَابَهَا هَذَا الْعُذْرُ: فَمَا يَقُولُ صَاحِبُ هَذَا التَّقْدِيرِ حِينَئِذٍ؟ فَإِمَّا أَنْ يَقُولَ: تَبْقَى مُحْرِمَةً حَتَّى تَعُودَ إلَى الْبَيْتِ، أَوْ يَقُولَ: تَتَحَلَّلُ كَالْمُحْصَرِ وَبِالْجُمْلَةِ فَالْقَوْلُ بِعَدَمِ وُجُوبِ الْحَجِّ عَلَى مَنْ تَخَافُ الْحَيْضَ لَا يَعْلَمُ بِهِ قَائِلٌ، وَلَا تَقْتَضِيه الشَّرِيعَةُ؛ فَإِنَّهَا لَا تُسْقِطُ مَصْلَحَةُ الْحَجِّ الَّتِي هِيَ مِنْ أَعْظَمِ الْمَصَالِحِ لِأَجْلِ الْعَجْزِ عَنْ أَمْرٍ غَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا فِي الْحَجِّ أَوْ شَرْطًا فِيهِ؛ فَأُصُولُ الشَّرِيعَةِ تُبْطِلُ هَذَا الْقَوْلَ.
وَأَمَّا التَّقْدِيرُ الْخَامِسُ - وَهِيَ أَنْ تَرْجِعَ وَهِيَ عَلَى إحْرَامِهَا مُمْتَنِعَةً مِنْ النِّكَاحِ وَالْوَطْءِ إلَى أَنْ تَعُودَ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ، ثُمَّ إذَا أَصَابَهَا الْحَيْضُ رَجَعَتْ كَذَلِكَ، وَهَكَذَا كُلَّ عَامٍ - فَمِمَّا تَرُدُّهُ أُصُولُ الشَّرِيعَةِ وَمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ الرَّحْمَةِ وَالْحِكْمَةِ وَالْمَصْلَحَةِ وَالْإِحْسَانِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلُ عَلَى الْأُمَّةِ عَلَى مِثْلَ هَذَا الْحَرَجِ، وَلَا مَا هُوَ قَرِيبٌ مِنْهُ.
وَأَمَّا التَّقْدِيرُ السَّادِسُ - وَهُوَ أَنَّهَا تَتَحَلَّلُ كَمَا يَتَحَلَّلُ الْمُحْصِرُ - فَهَذَا أَفْقَهُ مِنْ التَّقْدِيرِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.