قلت: ولم يذكر هذا عن بلاد الكفار، وإن كان ليس من شرطنا، لكني ذكرته لغرابته وزيادة فائدة، ولأنه يتعلق ببلاد السودان.
وأما ما أقوله فإنّه قد كثر القول عمن يأكل من السودان لحوم الناس، وهم الذين بلادهم متوغلة في غاية الجنوب، ومنهم من الزّنج.
قال الجاحظ في كتاب "البيان والتبيين":
وقد ذكرنا الزّنج وإنهاء ثناياها (١)، قال (٢): سألت مباركا الزّنجي الفشكار (٣)، فقلت: لم تنزع الزّنج ثناياها؟ ولم [يحدّد <د>] ناس منهم أسنانهم؟ فقال: أما أصحاب التحديد فللقتال والنّهش، ولأنهم يأكلون لحوم الناس، ومتى حارب ملك ملكا فأخذه قتيلا أو أسيرا [أكله](٤)، وكذلك إذا حارب بعضهم بعضا أكل الغالب منهم المغلوب، وأما أصحاب [القلع](٥) فإنهم نظروا إلى مقادم أفواه الغنم فكرهوا أن تشبه مقادم أفواههم مقادم أفواه الغنم.
(١) البيان والتبيين ١/ ٥٨ حيث نقل الجاحظ عن سهل بن هارون قوله: "لو عرف الزنجي فرط حاجته إلى ثناياه في إقامة الحروف وتكميل آلة البيان لما نزع ثناياه". (٢) النص التالي في المصدر نفسه (١/ ٦٠) باختلاف يسير في اللفظ. (٣) الفشكار، كما في حاشية التحقيق (لهارون): لفظة فارسية معربة تعني المزارع أو الفلاح. (٤) في الأصل: فأكله، والتصحيح من الجاحظ المصدر السابق. (٥) في الأصل: القلاع، والتصحيح من المصدر نفسه.