ولم تزل دار علم وفقه، وقد ذكر الحجاريّ (١) أول مصنفي كتاب "المغرب" أنها أول ما بني في برّ العدوة، وهي من فرض البحر العظيمة لكثرة ما يرد عليها من مراكب المسلمين والنصارى من كلّ جهة، وجميع طرف الدنيا أو غالبها موجود فيها، وهي مليحة نزهة، والبحر عندها ضيق، وإذا كان الصّحو بصر أهلها منها الجزيرة الخضراء المسامتة لها (٥٥٢) من الأندلس، وشرب أهلها من الماء مجلوب إليهم من البحر من بليونش (٢) وغيرها من متنزّهاتها، وفي داخلها صهاريج من ماء المطر، والأغنام تجلب إليها، والقمح لا يزكو نباته في أرضها، وإنما يجلب إليها جلبا كثيرا، وبها الصخرة التي يقال (٣) إنّ موسى ﵇ آوى إليها ولا يصحّ، وبها سمك كثير منه نوع يسمى سمك موسى نسبة إلى حوته الذي اتخذ سبيله في البحر سربا، ولحمه نافع من الحصا، مقوّ للباه، وهو يوجد بالبحر قريب جبل سبتة المعروف بجبل [موسى بن نصير](٤)، وبه رمال ينبط منها الماء العذب، وينبعث من
(١) هو أبو محمد عبد الله بن إبراهيم الكندي الحجاري المتوفى سنة ٥٨٤ هـ/ ١١٨٨ م، وهو صاحب كتاب "المسهب في أخبار أهل المغرب" والذي يعد الأساس الذي نهض عليه كتاب "المغرب في حلي المغرب" لابن سعيد المغربي. يذكر أن كتاب "المغرب" توارث كتابته على مدى (١١٥) سنة ستة أشخاص أولهم الحجاري في مصنفه المذكور الذي تناول فيه تاريخ الأندلس حتى سنة ٥٣٠ هـ/ ٥ - ١١٣٦ م، ثم ذيل عليه عبد الملك بن سعيد وابناه أحمد ومحمد، ثم حفيده موسى بن محمد إلى أن أخذ الكتاب صورته النهائية على يد مؤرخنا علي بن موسى المعروف بابن سعيد في سنة ٦٤٥ هـ/ ٧ - ١٢٤٨ م، انظر: العباس بن إبراهيم: الإعلام بمن حل مراكش ٩/ ١٦٧، الزركلي: ٤/ ٦٣، ومقدمتي التحقيق لكتابي "الجغرافيا" و"المغرب" لابن سعيد. (٢) بليونش: من متنزهات سبتة الشهيرة، وقد خربها البرتغاليون عند احتلالهم سبتة في سنة ٨١٨ هـ/ ١٤١٥ م، ولم يبق منها اليوم سوى أطلال، انظر: ياقوت: ١/ ٤٩٣، الحميري: ص ٣٠٣، ابن العربي: ص ٢٢٦ (٣) وردت في الأصل متبوعة بكلمة: لها، زائدة. (٤) في الأصل: موسى ﵇، ولعله سبق قلم، والتصحيح من الحميري، ص ٣٠٣، والقلقشندي، صبح ٥/ ١٥٢