بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من كان بينه وبين الإِمام طريق فليس مع الإِمام"(١). فقد أجيب عن هذا بأن هذا الخبر لا يعرف في كتب أهل الحديث. وإن صح حُمِلَ على طريق يمنع الاقتداء. وأشار شيخنا إلى كراهته في هذا الأصل على الجملة. فقال لا بأس أن يصلي أصحاب الأسواق جماعة وإن كانوا على خلاف السنة من تفرقة الصفوف، وفرقت بينهم الطريق. لأن هذه ضرورة. وظاهر هذا كراهة كون الطريق حائلة مع الاختيار.
والجواب عن السؤال التاسع: أن يقال: مذهبنا منع الإمامة، والإمام أرفع مما عليه المأمومون. فإن فعل ففي (٢) المدونة تعاد الصلاة أبدًا لأنهم يعبثون إلا أن يكون الارتفاع يسيرًا فتجزيهم الصلاة. وقدر بعض المتأخرين الارتفاع بقدر الشبر وعظم الذراع. إلى هذا نحا الشيخ أبو محمَّد.
ودليلنا ما رواه ابن سنجر في كتابه أن حذيفة بن اليمان قدم المدائن فقام يصلي على دكان فجذبه سلمان. فقال: ما أدري أطال العهد أم نسيت؟ أما سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"لا يصلي الإِمام على شيء أنشز مما عليه أصحابه"(٣). ومعنى أنشز أرفع. وذكر بعضهم أن هذا ذكره أبو داود أن ابن مسعود جذبه (٤). فلما فرغ من صلاته قال له ابن مسعود ألم تعلم أنه قد نهى عن ذلك؟ قال بلى، قد ذكرت حين جذبتني. ورواه الشافعي ألم ترني تابعتك.
فإن قيل فقد صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المنبر بالناس. وهذا يعارض حديثكم. قيل قد نبه - صلى الله عليه وسلم - على العلة التي من أجلها فعل ذلك لأنه لما فرغ من صلاته قال إنما فعلت ذلك لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي (٥). وقد استحبت الشافعية لأجل
(١) قال النووي هذا حديث باطل لا أصل له وإنما يروى عن عمر رضي الله عنه من رواية ليث بن أبي سليم عن تميم. وليت ضعيف وتميم مجهول. المجموع شرح المهذب ج ٤ ص ١٨١. (٢) فعلى -و-. (٣) رواه البيهقي عن أبي سعيد الخدرى. الهداية ج ٣ ص ٢٠١. (٤) رواه مع أبي داود والحاكم والبيهقي وابن الجارود. الهداية ج ٣ ص ٢٠٠. (٥) رواه البخاري ومسلم وأبي داود والنسائي وابن ماجة من حديث سهل بن سعد. الهداية ج ٣ ص ١٩٩.