وأذن للمخلفين في غزوة تبوك باجتهاده حتى نزل (١): {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ}[التوبة: ٤٣]، وافتتح الصوم بشهادة الواحد (٢) على سبيل التحري والاجتهاد. وإنما توقف وانتظر الوحي في أحكام لم يكن للاجتهاد إليها سبيل، وقوله: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣)} [النجم: ٣] لا ينفي الاجتهاد لأن الاجتهاد ليس بهوى، وقوله: {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)} [النجم: ٤] خاص في القرآن وما أوحي إليه من علم الغيب والأحكام دون ما بينه على سبيل المشاورة والاجتهاد والتحري (٣)، ثم لا يجوز في مقابلة اجتهاد النبي --عليه السلام-- (٤) اجتهاد إلا (٥) بتمكينه؛ لأن اجتهاده كالنص من حيث تقدير الله كما لو حكم بعض الصحابة حكمًا بمشهد النبي -عليه السلام- (٤) ولم ينكر ذلك.
{حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ} أي: حلالًا، {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} في زعمكم، فلم يأتوا بالتوراة خوف الفضيحة بتأويلهم الفاسد.
{افْتَرَى} افتعال من الفري المختلق (٦) وهو القطع وكأن المختلق يقطع شيئًا من موهومه الباطل فيتكلم به، وذلك إشارة إلى الإتيان بالتوراة أو تحريم إسرائيل.
{صَدَقَ اللَّهُ} أي: أخبر بالحق عن كيفية ابتداء التحريم والتحليل، {فَاتَّبِعُوا} استحلوا لحوم الإبل وألبانها فإنه ملة إبراهيم لأنه سبق نذر
= [أخرجه الطبري في تفسيره (١١/ ٢٧٧)؛ وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٣/ ٢٠٤) إلى ابن مردويه]. (١) ذكر ذلك الطبري في تفسيره فقال: هذا عتاب من الله تعالى ذكره، عاتب به نبيَّه - صلى الله عليه وسلم - في إذنه لمن أذن له في التخلف عنه حين شخص إلى تبوك لغزو الروم من المنافقين. وبنحو ذلك روي عن مجاهد وقتادة، أخرجه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٤٧٧). (٢) في "ب": (القوم). (٣) في "أ" " ب" "ي": (والنجوى). (٤) (السلام) ليست في "ي". (٥) في الأصل و"أ": (لا). (٦) (المختلق) من "أ"، وفي "ب": (من الفري وهو القطع).