[٥ ب] فِيهَا مَنْ طَمِعَ، فَانْصَرِفْ/ وَلا تُهِجْ عَلَى أَصْحَابِكَ مَا لا تَقُومُ لَهُ، قَالَ: فَانْصَرَفَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَخَبَّرُه بِمَا كَانَ مِنْ مَقَالَتِهِ لِلأَنْصَارِ، وَبِرَدِّهِمْ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ:
لَقَدْ كُنْتَ غَنِيًّا عَنْ هَذَا، أَنْ تَأْتِيَ قَوْمًا قَدْ بَايَعُوا وَسَكَتُوا فَتَذْكُرَ لَهُمْ مَا قَدْ مَضَى.
قَالَ: ثُمَّ أَرْسَلَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى عَلِيٍّ فَدَعَاهُ، فَأَقْبَلَ وَالنَّاسُ حُضُورٌ، فَسَلَّمَ وَجَلَسَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: لِمَ دَعَوْتَنِي، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: دَعَوْنَاكَ لِلْبَيْعَةِ الَّتِي قَدِ اجْتَمَعَ عَلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ، فَقَالَ عَلِيٌّ: يَا هَؤُلاءِ، إِنَّمَا أَخَذْتُمْ هَذَا الأَمْرَ مِنَ الأَنْصَارِ بِالْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، وَالْقَرَابَةِ لأَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، لأَنَّكُمْ زَعَمْتُمْ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى الله عليه وآله وَسَلَّمَ مِنْكُمْ، فَأَعْطُوكُمُ الْمَقَادَةَ وَسَلَّمُوا إِلَيْكُمُ الأَمْرَ، وَأَنَا أَحْتَجُّ عَلَيْكُمْ بِالَّذِي احْتَجَجْتُمْ بِهِ عَلَى الأَنْصَارِ، نَحْنُ أَوْلَى بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ حَيًّا وَمَيِّتًا، لأَنَّا أَهْلُ بَيْتِهِ، وَأَقْرَبُ الْخَلْقِ إِلَيْهِ، فَإِنْ كُنْتُمْ تَخَافُونَ اللَّهَ فَانْصِفُونَا، وَاعْرِفُوا لَنَا فِي هَذَا الأَمْرِ مَا عَرَفَتْهُ لَكُمُ الأَنْصَارُ.
قَالَ: فَقَالَ لَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّكَ أَيُّهَا الرَّجُلُ لَسْتَ بِمَتْرُوكٍ، أَوْ تُبَايِعُ كَمَا بَايَعَ غَيْرُكَ، فَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِذَنْ لا أَقْبَلُ مِنْكَ ولا أبايع من أنا أحق [با] لبيعة [١] مِنْهُ. فَقَالَ لَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ: وَاللَّهِ يَا أَبَا الْحَسَنِ إِنَّك لَحَقِيقٌ لِهَذَا الأَمْرِ لِفَضْلِكَ وَسَابِقَتِكَ وَقَرَابَتِكَ، غَيْرَ أَنَّ النَّاسَ قَدْ بَايَعُوا وَرَضُوا بِهَذَا الشَّيْخِ، فَارْضَ بِمَا رَضِيَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ: يَا أَبَا عُبَيْدَةَ [٢] ، أَنْتَ أَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ، فَاتَّقِ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ، فَإِنَّ هَذَا الْيَوْمَ لَهُ مَا بَعْدَهُ مِنَ الأَيَّامِ، وَلَيْسَ يَنْبَغِي لَكُمْ أَنْ تُخْرِجُوا سُلْطَانَ مُحَمَّدٍ صلّى الله عليه وآله وَسَلَّمَ مِنْ دَارِهِ وَقَعْرِ بَيْتِهِ، إِلَى دُورِكُمْ وَقُعُورِ بُيُوتِكُمْ، فَفِي بُيُوتِنَا نَزَلَ الْقُرْآنُ، وَنَحْنُ مَعْدِنُ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ وَالدِّينِ وَالسُّنَّةِ وَالْفَرَائِضِ، وَنَحْنُ أَعْلَمُ بِأُمُورِ الْخَلْقِ مِنْكُمْ، فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى فَيَكُونَ نَصِيبُكُمُ الأَخَسَّ.
قَالَ: فَتَكَلَّمَ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ الأَنْصَارِيُّ فَقَالَ: يَا أَبَا الْحَسَنِ، أَمَا وَاللَّهِ لَوْ أَنَّ هَذَا الْكَلامَ سَمِعَهُ النَّاسُ مِنْكَ قَبْلَ الْبَيْعَةِ لَمَا اخْتَلَفَ عَلَيْكَ رَجُلانِ، ولبايعك
[١] في الأصل: (أحق لبيعة) .[٢] في الأصل: (أبا عبيد) .
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.