أَتْبَعَهُ بِعَلِيٍّ فَأَخَذَهَا مِنْهُ. فَرَجَعَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي أَنَزَلَ فِي شَأْنِي شَيْءٌ؟ قَالَ: " لَا، وَلَكِنْ لَا يُبَلِّغُ عَنِّي غَيْرِي أَوْ رَجُلٌ مِنِّي " ثُمَّ اسْتَنْبَطَ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ نَفْسَ عَلِيٍّ مِنَ الرَّسُولِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ مَنْزِلَةُ نَفْسِهِ، وَأَنَّهُ خَيْرُ أَصْحَابِهِ وَأَفْضَلُهُمْ عِنْدَ اللهِ وَأَكْرَمُهُمْ عَلَيْهِ، فَإِنَّ مَنْ كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ هُوَ الَّذِي يُمَثِّلُ شَخْصَ النَّبِيِّ، وَيَقُومُ مَقَامَهُ، وَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ نَفْسِهِ الشَّرِيفَةِ، ثُمَّ قَالَ: وَدَلَّ هَذَا الْقَوْلُ مِنْهُ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ عَلَى أَنَّ كَوْنَ عَلِيٍّ مِنْ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَنَفْسِهِ نَفْسَهُ أَمْرٌ مُحَقَّقٌ ثَابِتٌ لَا رَيْبَ فِيهِ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ، وَلِهَذَا لَمْ يَحْتَجْ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ لِذِكْرِهِ، وَذَلِكَ ظَاهِرٌ عِنْدَ الْعَارِفِ بِطَرِيقِ الِاسْتِدْلَالِ، وَتَرْتِيبِ الْأَشْكَالِ، وَقَدْ عَمَدَ بَعْضُ النَّوَاصِبِ إِلَى الْحَطِّ مِنْ هَذِهِ الْكَرَامَةِ فَزَعَمَ أَنَّهُ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ إِنَّمَا أَرَادَ بِأَنَّهُ نَفْسُهُ وَمِنْهُ هُوَ الْقُرْبُ فِي النَّسَبِ دُونَ الْفَضِيلَةِ، مُدَّعِيًا أَنَّ مِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ إِذَا أَرَادَ أَحَدُهُمْ أَنْ يَنْبِذَ عَهْدًا نَبَذَهُ بِنَفْسِهِ أَوْ أَرْسَلَ بِهِ أَقْرَبَ النَّاسِ إِلَيْهِ - إِلَى آخِرِ مَا غَالَطَ بِهِ، وَبَنَى عَلَى زَعْمِهِ هَذَا أَنَّ الْعَبَّاسَ أَقْرَبُ إِلَى النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ مِنْ عَلِيٍّ نَسَبًا فَلِمَاذَا لَمْ يُرْسِلْهُ بِهَذَا التَّبْلِيغِ؟ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ بِأَنَّ الرِّوَايَةَ بِمَعْنَى مَا زَعَمَهُ، لَا بِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْأَقْرَبِ بَلْ قَالُوا: إِنَّ التَّبْلِيغَ فِي مِثْلِهِ لِعَاقِدِ الْعَهْدِ أَوْ لِأَحَدِ عَصَبَتِهِ الْأَقْرَبِينَ.
وَأَقُولُ فِي قَلْبِ شُبْهَتِهِ هَذِهِ حُجَّةٌ عَلَيْهِ: (أَوَّلًا) أَنَّ هَذَا الشِّيعِيَّ الْمُتَعَصِّبَ اخْتَارَ رِوَايَةَ السُّدِّيِّ مِنْ رِوَايَاتٍ فِي الْمَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّهَا تَحْتَمِلُ مِنْ تَأْوِيلِهِ وَغُلُوِّهِ مَا لَا يَحْتَمِلُهُ غَيْرُهَا.
(ثَانِيًا) أَنَّ السُّدِّيَّ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ سَنَدًا إِلَى أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ.
(ثَالِثًا) أَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ عَنْ عَلِيٍّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَغَيْرِهِمَا مِنَ الصَّحَابَةِ يُخَالِفُ قَوْلَ السُّدِّيِّ هَذَا مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ، وَهِيَ أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ وَالتَّرْجِيحِ.
(رَابِعًا) أَنَّ هَذَا الشِّيعِيَّ الَّذِي يَدَّعِي التَّحْقِيقَ لَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ السُّدِّيِّ كُلَّهُ بَلْ أَسْقَطَ مِنْهُ قَوْلَ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ الْمَرْوِيَّ عَنْ غَيْرِ السُّدِّيِّ أَيْضًا " أَمَا تَرْضَى يَا أَبَا بَكْرٍ أَنْ كُنْتَ مَعِيَ فِي الْغَارِ، وَأَنَّكَ صَاحِبِي عَلَى الْحَوْضِ "؟ قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ. فَسَارَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى الْحَاجِّ وَعَلِيٌّ يُؤَذِّنُ بِـ (بَرَاءَةٌ) ، فَقَامَ يَوْمَ الْأَضْحَى فَقَالَ: لَا يَقْرَبَنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ مُشْرِكٌ بَعْدَ عَامِهِ هَذَا، وَلَا يَطُوفَنَّ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، وَمَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ عَهْدٌ فَلَهُ عَهْدُهُ إِلَى مُدَّتِهِ. وَإِنَّ هَذِهِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ، وَإِنَّ اللهَ لَا يُدْخِلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ مُسْلِمًا. فَقَالُوا: نَحْنُ نَبْرَأُ مِنْ عَهْدِكَ وَعَهْدِ ابْنِ عَمِّكَ إِلَّا مِنَ الطَّعْنِ وَالضَّرْبِ، فَرَجَعَ الْمُشْرِكُونَ فَلَامَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَقَالُوا: مَا تَصْنَعُونَ وَقَدْ أَسْلَمَتْ قُرَيْشٌ؟ فَأَسْلَمُوا انْتَهَى نَصُّ رِوَايَةِ السُّدِّيِّ هَذِهِ فِي تَفْسِيرِ ابْنِ جَرِيرٍ (ص٢٧ ج ١٠ مِنَ الطَّبْعَةِ الْأَمِيرِيَّةِ)
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.