إِنَّ تَرْكَ الصَّلَاةِ كُفْرٌ وَمُفَارَقَةٌ لِلْجَمَاعَةِ فَتَارِكُهَا لَا يَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، فَالْحَقُّ فِي الْجَوَابِ مَا تَقَدَّمَ آنِفًا فِي سِيَاقِ بَيَانِ حَقِيقَةِ الْإِسْلَامِ، وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: يَكْفُرُ بِتَرْكِ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ، وَيَزْعُمُ بَعْضُ أَنْصَارِهِمْ حَتَّى مِنَ الْمُسْتَقِلِّينَ كَالشَّوْكَانِيِّ أَنَّ تَرْكَ الصَّلَاةِ يَصْدُقُ بِتَرْكِ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ، وَهُوَ مَرْدُودٌ،
فَإِنَّ الْمَعْنَى الْكُلِّيَّ كَالْجِنْسِ لَا يَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِهِ، فَمَنْ أَفْطَرَ فِي يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ رَمَضَانَ لَا يُعَدُّ تَارِكًا لِفَرِيضَةِ الصِّيَامِ مُطْلَقًا، وَمَنْ تَرَكَ بَعْضَ الدُّرُوسِ مِنْ طُلَّابِ الْعِلْمِ لَا يُعَدُّ تَارِكًا لِطَلَبِ الْعِلْمِ.
(فَإِنْ قِيلَ) إِنَّ مَنْ تَرَكَ صَلَاةً وَاحِدَةً وَصَلَّى مَا بَعْدَهَا يَكْفُرُ بِتَرْكِ مَا تَرَكَ، وَيَعُودُ إِلَى الْإِسْلَامِ بِأَدَاءِ مَا أَدَّى. (قُلْتُ) إِذَا كَانَ تَرْكُ الْأُولَى كُفْرًا بِمَعْنَى الْخُرُوجِ مِنَ الْإِسْلَامِ، فَلَا يَصِحُّ مِنْ فَاعِلِهِ التَّلَبُّسَ بِالثَّانِيَةِ إِلَّا إِذَا جَدَّدَ إِسْلَامَهُ بِالتَّوْبَةِ مِنَ الْكُفْرِ وَالنُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَى الْقَوْلِ بِكُفْرِهِ أَحْكَامٌ عَظِيمَةُ الْخَطَرِ، مِنْهَا حُبُوطُ جَمِيعِ مَا عَمِلَ مِنْ خَيْرٍ وَبِرٍّ، وَاسْتِحْقَاقُ الْقَتْلِ، وَأَنَّهُ إِذَا مَاتَ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَلَا يُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَيَكُونُ مَالُهُ فَيْئًا لَا يَرِثُهُ وَرَثَتُهُ. وَنَاهِيكَ بِقَوْلِ مَنْ قَالَ: لَا يُشْتَرَطُ فِي قَتْلِ الْمُرْتَدِّ اسْتِتَابَتُهُ، وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ كَمَا أَنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ، وَقَدْ ذَكَرَ السُّبْكِيُّ فِي طَبَقَاتِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ وَأَحْمَدَ تَنَاظَرَا فِي تَارِكِ الصَّلَاةِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَا أَحْمَدُ، أَتَقُولُ إِنَّهُ يَكْفُرُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: إِذَا كَانَ كَافِرًا فَبِمَ يُسْلِمُ؟ قَالَ: بِقَوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَالرَّجُلُ مُسْتَدِيمٌ لِهَذَا الْقَوْلِ لَمْ يَتْرُكْهُ. قَالَ: يُسْلِمُ بِأَنْ يُصَلِّيَ. قَالَ: صَلَاةُ الْكَافِرِ لَا تَصِحُّ، وَلَا يُحْكَمُ بِالْإِسْلَامِ بِهَا، فَانْقَطَعَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ (رَحِمَهُمَا اللهُ تَعَالَى) .
وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ: أَنَّ الَّذِي يَطْمَئِنُّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ، وَيَقْتَضِيهِ فِقْهُ الدِّينِ وَكَوْنُهُ رَحْمَةً لَا نِقْمَةً، وَمِنْحَةً لَا مِحْنَةً، أَنَّ مَنْ كَانَ صَحِيحَ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ لَا يَخْرُجُ مِنَ الدِّينِ بِتَرْكِ صَلَاةٍ أَوْ أَكْثَرَ بِعُذْرٍ أَوْ كَسَلٍ فَيَحْبَطُ عَمَلُهُ، وَيَسْتَحِقُّ الْخُلُودَ فِي النَّارِ، كَمَا أَنَّهُ لَا يُعْقَلُ أَنْ يَتْرُكَ الصَّلَاةَ دَائِمًا أَوْ غَالِبًا بِأَنْ يَجْعَلَهَا مِنَ الْعَادَاتِ الْقَوْمِيَّةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ يُوَافِقُ عَلَيْهَا الْمُعَاشِرِينَ أَحْيَانًا، وَيَتْرُكُهَا أَحْيَانًا، بِحَيْثُ إِذَا صَلَّى لَا يُقِيمُ الصَّلَاةَ بِبَاعِثِ الْأَمْرِ الْإِلَهِيِّ وَنِيَّةِ الْقُرْبَةِ وَالْجَزَاءِ فِي الْآخِرَةِ، وَإِذَا تَرَكَهَا يَتْرُكُهَا غَيْرَ مَالٍّ وَلَا مُتَأَثِّمٍ كَمَا يَتْرُكُ عَادَةً مِنَ الْعَادَاتِ الْمَأْلُوفَةِ بَيْنَ أَهْلِهِ وَقَوْمِهِ، هَذَا شَأْنُ مَنْ لَيْسَ لَهُ مِنَ الْإِسْلَامِ إِلَّا اللَّقَبُ الْمَوْرُوثُ مِنَ الْمَلَاحِدَةِ وَالزَّنَادِقَةِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْوَحْيِ، وَلَا بِالْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ،
وَقَدْ وَصَفَ اللهُ الْمُنَافِقِينَ بِقَوْلِهِ: وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلَّا قَلِيلًا (٤: ١٤٢) فَهَلْ يَكُونُ مُؤْمِنًا صَادِقًا مَنْ هُوَ دُونَهُمْ فِي هَذَا؟
وَيُوجَدُ مِنْ مُسْلِمِي التَّقَالِيدِ الْجَاهِلِينَ بِحَقِيقَةِ الدِّينِ وَمَا شَرَعَهُ اللهُ لَهُ مِنْ إِصْلَاحِ الْأَفْرَادِ وَالْجَمَاعَاتِ مِنْ يَتْرُكُ الصَّلَاةَ أَيَّامًا وَشُهُورًا، وَرُبَّمَا تَمُرُّ السَّنَةُ وَالسُّنُونَ لَا يُصَلِّي فِيهَا إِلَّا بَعْضَ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.