الْحَافِظُ، وَالصَّحِيحُ الْمُعْتَمَدُ فِي السَّبَبِ هُوَ الْأَوَّلُ، وَمَا نَدْرِي مَنْ هَؤُلَاءِ الْيَهُودِ الَّذِينَ قَالُوا لِلنَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ مَا قَالُوا؟ وَكَانَ هَذَا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ يَهُودِ الْمَدِينَةِ وَإِجْلَائِهِمْ. وَالْعَجِيبُ مِنَ الْحَافِظِ كَيْفَ قَالَ: إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ حَسَنٌ مَعَ قَوْلِهِ فِي شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ فِي التَّقْرِيبِ إِنَّهُ كَثِيرُ الْإِرْسَالِ وَالْأَوْهَامِ، وَعِلْمِهِ وَنَقْلِهِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَطَاعِنِ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ؟ وَقَدْ صَرَّحَ السُّيُوطِيُّ
بِضَعْفِ الْحَدِيثِ فِي أَسْبَابِ النُّزُولِ. وَفِي كُتُبِ السِّيَرِ أَنَّ مَا بَذَلَهُ عُثْمَانُ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ فِي تَجْهِيزِ جَيْشِ الْعُسْرَةِ أَكْثَرَ مِمَّا ذُكِرَ فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ.
وَقَدْ كَانَتْ غَزْوَةُ تَبُوكَ فِي شَهْرِ رَجَبٍ مِنْ سَنَةِ تِسْعٍ بِاتِّفَاقِ الرُّوَاةِ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا رَوَاهُ ابْنُ عَائِذٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَتْ بَعْدَ الطَّائِفِ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ يَجْعَلُ السِّتَّةَ الْأَشْهُرَ بَعْدَ عَوْدَتِهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ مِنَ الطَّائِفِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَهُوَ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَدْ دَخَلَ الْمَدِينَةَ فِي شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ مِنْ تِلْكَ السَّنَةِ. قَالَهُ الْحَافِظُ.
وَالْغَرَضُ مِنْ هَذَا التَّمْهِيدِ لِتَفْسِيرِ الْآيَاتِ أَنَّ سَبَبَ هَذِهِ الْغَزْوَةِ اسْتِعْدَادُ الرُّومِ لِقِتَالِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَالْمُسْلِمِينَ، وَإِعْدَادُ جَيْشٍ كَثِيفٍ لِلزَّحْفِ بِهِ عَلَى الْمَدِينَةِ، فَهِيَ كَسَائِرِ غَزَوَاتِهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ دِفَاعٌ لَا اعْتِدَاءٌ، وَلَمَّا لَمْ يَجِدْ مَنْ يُقَاتِلُهُ عَادَ، وَلَمْ يُهَاجِمْ شَيْئًا مِنْ بِلَادِ الشَّامِ، وَكَانَ الْأَمْرُ بِهَا لِمَا سَيُذْكَرُ مِنَ الْحِكَمِ وَالْأَحْكَامِ.
قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ الِاسْتِفْهَامُ فِي الْآيَةِ لِلْإِنْكَارِ وَالتَّوْبِيخِ، وَالْخِطَابُ لِلْمُؤْمِنِينَ فِي جُمْلَتِهِمْ تَرْبِيَةً لَهُمْ بِمَا لَعَلَّهُ وَقَعَ مِنْ مَجْمُوعِهِمْ لَا مِنْ جَمِيعِهِمْ، وَمِنْهُمُ الضُّعَفَاءُ وَالْمُنَافِقُونَ. وَالنَّفْرُ وَالنَّفِيرُ عِبَارَةٌ عَنْ فِرَارٍ مِنَ الشَّيْءِ أَوْ إِقْدَامٍ عَلَيْهِ بِخِفَّةٍ وَنَشَاطٍ وَانْزِعَاجٍ، فَهُوَ كَمَا قَالَ الرَّاغِبُ بِمَعْنَى الْفَزَعِ إِلَيْهِ أَوْ مِنْهُ. يُقَالُ: نَفَرَتِ الدَّابَّةُ وَالْغَزَالُ نُفُورًا، وَنَفَرَ الْحَجِيجُ مِنْ عَرَفَاتٍ نَفْرًا، وَاسْتَنْفَرَ الْإِمَامُ الْعَسْكَرَ إِلَى الْقِتَالِ أَوْ أَعْلَنَ النَّفِيرَ الْعَامَ فَنَفَرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا، وَالتَّثَاقُلُ التَّبَاطُؤُ فَهُوَ ضِدُّ النَّفْرِ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الثِّقَلِ الْمُقْتَضِي لِلْبُطْءِ، وَهُوَ يَصْدُقُ عَلَى مَنْ لَمْ يَسْتَجِبْ لِدَعْوَةِ النَّفِيرِ، وَعَلَى مَنْ حَاوَلَ أَوِ اسْتَجَابَ مُتَبَاطِئًا. وَأَصْلُ (اثَّاقَلْتُمْ) تَثَاقَلْتُمْ، أُدْغِمَتِ الْمُثَنَّاةُ فِي الْمُثَلَّثَةِ فَجِيءَ بِهَمْزَةِ الْوَصْلِ لِأَجْلِ النُّطْقِ بِالسَّاكِنِ، وَالْعَرَبُ لَا تَبْدَأُ بِالسَّاكِنِ، وَلَا تَقِفُ عَلَى الْمُتَحَرِّكِ، وَقَدْ عُدِّي بِـ (إِلَى) لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى التَّسَفُّلِ وَالْإِخْلَادِ إِلَى الْأَرْضِ وَالْمَيْلِ إِلَى رَاحَتِهَا وَنَعِيمِهَا.
وَلَمَّا دَعَا اللهُ الْمُؤْمِنِينَ لِغَزْوَةِ تَبُوكَ كَانَ الزَّمَنُ زَمَنَ الْحَرِّ، وَكَانُوا قَرِيبِي عَهْدٍ
بِالرُّجُوعِ مِنْ غَزْوَتَيِ الطَّائِفِ وَحُنَيْنٍ، وَكَانَتِ الْعُسْرَةُ شَدِيدَةً، وَكَانَ مَوْسِمُ الرُّطَبِ فِي الْمَدِينَةِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.