بِحِفْظِ الْمَوْجُودِ، وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَرِيصًا عَلَى اهْتِدَاءِ قَوْمِهِ بِهِ بِإِيمَانِ كَافِرِهِمْ وَثَبَاتِ مُؤْمِنِهِمْ فِي دِينِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى لَهُ: (إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ) (١٦: ٣٧) الْآيَةَ وَقَالَ: (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ)
(١٢: ١٠٣) (بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) أَيْ شَدِيدُ الرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ بِالْمُؤْمِنِينَ، فَكُلُّ مَا يَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ مِنَ الْعَمَلِ بِشَرَائِعِ اللهِ تَعَالَى فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى ثُبُوتِ هَذِهِ الصِّفَاتِ الْكَامِلَةِ وَالْعَوَاطِفِ السَّامِيَةِ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِنَصِّ اللهِ تَعَالَى، وَهُوَ أَرْحَمُ بِالْمُؤْمِنِينَ وَأَرْأَفُ، وَكُلُّ شَاقٍّ مِنْهَا كَالْجِهَادِ فَهُوَ مَنْجَاةٌ مِمَّا هُوَ أَشَقُّ مِنْهُ، وَلَا شَيْءَ مِنَ الشَّاقِّ مِنْهَا يُبَالِغُ حَدَّ الْعَنَتِ، لِلْقَطْعِ فِي هَذَا الدِّينِ بِنَفْيِ الْعُسْرِ وَالْحَرَجِ.
وَصَفَ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ بِصِفَتَيْنِ مِنْ صِفَاتِهِ الْعُلَى، وَسَمَّاهُ بِاسْمَيْنِ مِنْ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، بَعْدَ وَصْفِهِ بِوَصْفَيْنِ هُمَا أَفْضَلُ نُعُوتِ الرُّؤَسَاءِ وَالزُّعَمَاءِ الْمُدَبِّرِينَ لِأُمُورِ الْأُمَمِ بِالْحَقِّ وَالْعَدْلِ وَالْفَضْلِ، وَفِي الصِّحَاحِ وَالْقَامُوسِ أَنَّ الرَّأْفَةَ أَشَدُّ الرَّحْمَةِ. وَجَعَلَهُمَا بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ وَالْمُفَسِّرِينَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الرَّأْفَةَ أَخَصُّ، لَا تَكَادُ تَقَعُ فِي الْكَرَاهِيَةِ، وَالرَّحْمَةُ قَدْ تَقَعُ فِي الْكَرَاهِيَةِ لِلْمَصْلَحَةِ، وَاخْتَارَ الرَّازِيُّ أَنَّهَا مُبَالَغَةٌ فِي رَحْمَةٍ مَخْصُوصَةٍ مِنْ دَفْعِ الْمَكْرُوهِ وَإِزَالَةِ الضَّرَرِ.
وَقَالَ أُسْتَاذُنَا: إِنَّهَا لَا تُسْتَعْمَلُ إِلَّا فِي حَقِّ مَنْ وَقَعَ فِي بَلَاءٍ، اخْتِيَارًا لِقَوْلِ الرَّازِيِّ (ص ١١ ج ٢ ط الْهَيْئَةِ) وَأَصَحُّ مِنْهُ أَنَّهَا تُسْتَعْمَلُ فِي مَكَانِ الضَّعْفِ وَالشَّفَقَةِ وَالرِّقَّةِ كَقَوْلِهِمْ: رَأَفَ بِوَلَدِهِ وَتَرَأَّفَ بِهِ. وَتَقْدِيمُهُ عَلَى الرَّحِيمِ هُوَ الْوَاجِبُ كَأَنَّهُ قَالَ: رَءُوفٌ بِضُعَفَاءِ الْمُؤْمِنِينَ وَأُولِي الْقُرْبَى مِنْهُمْ، وَرَحِيمٌ بِهِمْ كُلِّهِمْ. وَتَخْصِيصُ رَأْفَتِهِ وَرَحْمَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْمُؤْمِنِينَ فِي مُقَابَلَةِ مَا أُمِرَ بِهِ مِنَ الْغِلْظَةِ عَلَى الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ - لَا يُعَارِضُ كَوْنَ رِسَالَتِهِ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، فَإِنَّ هَذِهِ الرَّحْمَةَ مَبْذُولَةٌ لِجَمِيعِ الْأُمَمِ، لِعُمُومِ بَعْثَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَكِنَّ مِنْهُمْ مَنْ قَبِلَهَا وَمِنْهُمْ مَنْ رَدَّهَا، وَقَدْ بَيَّنَّا فِي تَفْسِيرِ (وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) (٩: ٧٣) أَنَّهُ إِنَّمَا أُمِرَ بِذَلِكَ صَلَوَاتُ اللهِ تَعَالَى عَلَيْهِ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى طَبْعِهِ الشَّرِيفِ الرِّقَّةُ وَالرَّحْمَةُ وَالْأَدَبُ فِي الْمُقَابَلَةِ وَالْمُعَاشَرَةِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: (وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) (٣: ١٥٩) .
وَفِي التَّفْسِيرِ الْمَأْثُورِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - فِي الْآيَةِ: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ) قَالَ لَيْسَ مِنَ الْعَرَبِ قَبِيلَةٌ إِلَّا وَقَدْ وَلَدَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُضَرِيِّهَا وَرَبِيعِيِّهَا وَيَمَانِيِّهَا، يَعْنِي أَنَّ نَسَبَهُ مُتَشَعِّبٌ فِي جَمِيعِ قَبَائِلِ الْعَرَبِ وَبُطُونِهَا. وَعَنْهُ فِي (عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ) قَالَ شَدِيدٌ عَلَيْهِ مَا شَقَّ عَلَيْكُمْ (حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ) أَنْ يُؤْمِنَ كُفَّارُكُمْ.
وَمِنَ الْقِرَاءَةِ الشَّاذَّةِ فِي الْآيَةِ قِرَاءَةُ ((أَنْفَسِكُمْ)) بِفَتْحِ الْفَاءِ مِنَ النَّفَاسَةِ، رَوَاهَا ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا، وَقَرَأَ بِهَا ابْنُ عَبَّاسٍ وَالزُّهْرِيُّ وَابْنُ مُحَيْصِنٍ، وَرُوِيَتْ عَنِ الْإِمَامِ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ عَنْ أَبِيهِ الْإِمَامِ مُحَمَّدٍ الْبَاقِرِ، وَهِيَ خَبَرٌ وَاحِدٌ لَا يَثْبُتُ بِهَا الْقُرْآنُ، وَفِيهَا أَنَّ الْمَعْهُودَ فِي فَصِيحِ الْكَلَامِ أَنَّ النَّفِيسَ وَالْأَنْفَسَ مِمَّا يُوصَفُ بِهِ الْأَشْيَاءُ لَا الْأَشْخَاصُ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.