وَالسَّبَبُ الْخَاصُّ لِعَدَمِ عِقَابِ أَصْحَابِ مَسْجِدِ الضِّرَارِ عَلَى الْكُفْرِ الَّذِي أَثْبَتَهُ
النَّصُّ الصَّرِيحُ - أَمْرَانِ (أَحَدُهُمَا) أَنَّ الْآيَاتِ فِي قِصَّتِهِمْ قَدْ بُدِئَتْ بِمَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذِكْرُهُمْ فِيهَا مَعْطُوفًا عَلَى الَّذِينَ أَرْجَأَ اللهُ الْبَتَّ فِي أَمْرِهِمْ وَجَعَلَ التَّوْبَةَ عَلَيْهِمْ مَرْجُوَّةً، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى (وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ) (٩: ١٠٦) وَالثَّانِي خَتَمَ قِصَّتَهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى (لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (٩: ١١٠) فَيَظْهَرُ فِي مَعْنَى (تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمُ) احْتِمَالٌ هُوَ أَحَدُ الْأَقْوَالِ فِي تَفْسِيرِهِ، وَهُوَ تَقَطُّعُهَا مِنَ الْأَسَفِ وَالْحُزْنِ عَلَى مَا فَرَطَ مِنْهُمْ، وَوُقُوعُ هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ مُحْتَمَلٌ، وَإِذًا يَكُونُ أَقْوَى الْأَدِلَّةِ عَلَى تَوْبَتِهِمْ وَأَصْدَقِهَا، وَيَكْفِي الِاحْتِمَالُ لِمَنْعِ الْحُكْمِ عَلَيْهِمْ بِالْكُفْرِ.
وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ سِيَاسَةَ الْإِسْلَامِ فِي الْمُنَافِقِينَ أَنْ يُعَامَلُوا بِحَسَبِ ظَوَاهِرِهِمْ وَمَا يَبْدُو مِنْ أَعْمَالِهِمْ، وَأَنَّ لِلْإِمَامِ الْأَعْظَمِ أَوْ عَلَيْهِ - وَمِثْلُهُ نُوَّابُهُ مِنْ أَوْلِيَاءِ الْأُمُورِ - أَنْ يُعَرِّضَ فِي الْخُطَبِ الْعَامَّةِ وَالتَّصْرِيحَاتِ الرَّسْمِيَّةِ بِتَقْبِيحِ مَا يَعْلَمُ مِنْ سُوءِ أَعْمَالِهِمْ وَالْإِنْذَارِ بِسُوءِ عَوَاقِبِهَا لِيَعُدَّهُمْ لِلتَّوْبَةِ مِنْهَا، أَوِ الْحَذَرِ مِنْ إِظْهَارِ مَا يُضْمِرُونَهُ مِنَ الشَّرِّ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْعِقَابُ.
وَتَتَضَمَّنُ هَذِهِ السِّيَاسَةُ الْأُصُولَ الْآتِيَةَ:
(الْأُصُولُ الثَّلَاثَةُ فِي حُرِّيَّةِ الدِّينِ، وَمُعَامَلَةِ الْمُنَافِقِينَ)
١ - إِنَّ حُرِّيَّةَ الِاعْتِقَادِ وَالْوِجْدَانِ مَرْعِيَّةٌ لَا سَيْطَرَةَ عَلَيْهَا لِلرُّؤَسَاءِ الْحَاكِمِينَ، وَلَا لِلْمُعَلِّمِينَ وَالْمُرْشِدِينَ، وَإِنَّمَا لِهَؤُلَاءِ حَقٌّ فِي التَّرْبِيَةِ وَالتَّعْلِيمِ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَّهِمَ إِنْسَانًا بِإِضْمَارِ الْكُفْرِ وَلَا بِنِيَّةِ الْخِيَانَةِ لِمِلَّتِهِ أَوْ دَوْلَتِهِ، وَلَا بِإِرَادَةِ السُّوءِ لِقَوْمِهِ وَأُمَّتِهِ، وَلَا أَنْ يُعَاقِبَهُ عَلَى ذَلِكَ بِعِقَابٍ بَدَنِيٍّ وَلَا مَالِيٍّ، وَلَا بِحِرْمَانِهِ مِنَ الْحُقُوقِ الَّتِي يَتَمَتَّعُ بِهَا غَيْرُهُ مِنْ أَفْرَادِ الْأُمَّةِ.
٢ - إِنَّهُ لَيْسَ لِمَنْ يُضْمِرُ الْكُفْرَ بِاللهِ أَوْ بِمَا جَاءَتْ بِهِ رُسُلُهُ أَنْ يَكُونَ فِتْنَةً لِلنَّاسِ بِإِظْهَارِ ذَلِكَ لَهُمْ وَدَعْوَتِهِمْ إِلَيْهِ، أَوِ الطَّعْنِ فِي عَقَائِدِهِمْ، أَوْ إِظْهَارِ مَا يُنَافِيهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَعْوَةً وَلَا طَعْنًا، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَكَانَ يَدَّعِي الْإِسْلَامَ يُحْكَمُ بِارْتِدَادِهِ وَخُرُوجِهِ مِنَ الْمِلَّةِ، إِنْ كَانَ مَا أَظْهَرَهُ مِنَ الْكُفْرِ صَرِيحًا قَطْعِيًّا مُجْمَعًا عَلَيْهِ لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي الشَّرْعِ مِنِ اسْتِتَابَتِهِ وَعِقَابِهِ إِنْ لَمْ يَتُبْ (وَمِنْهُ مَنْعُ التَّوَارُثِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَفَسْخُ نِكَاحِهِ بِالْمُسْلِمَاتِ، وَعَدَمِ تَشْيِيعِ جِنَازَتِهِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَدَفْنِهِ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ) لِأَنَّ حُرِّيَّةَ كُلٍّ أَحَدٍ فِي اعْتِقَادِهِ تَقِفُ
عِنْدَ حَدِّ حُرِّيَّةِ غَيْرِهِ. وَلَا سِيَّمَا احْتِرَامِ عَقَائِدَ الْمِلَّةِ الَّتِي يَعِيشُ فِي ظِلِّ شَرِيعَتِهَا، وَسَائِرِ شَعَائِرِهَا وَعِبَادَاتِهَا.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.