١٢٩١ - يُحَدِّثُونَهُ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَيْسَ فِي أَقَلَّ مِنْ عِشْرِينَ مِثْقَالَا مِنَ الذَّهَبِ، وَلَا فِي أَقَلَّ مِنْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ صَدَقَةٌ فَلَمْ يَخْتَلِفِ الْمُسْلِمُونَ فِيهِمَا، وَاخْتَلَفُوا فِي الْحُلِيِّ، وذَلِكَ أَنَّهُ يُسْتَمْتَعُ بِهِ وَيَكُونُ جَمَالًا، وَأَنَّ الْعَيْنَ وَالْوَرِقَ لَا يَصْلُحَانِ لِشَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَا ثَمَنًا لَهَا، وَلَا يُنْتَفَعُ مِنْهُمَا بِأَكْثَرَ مِنَ الْإِنْفَاقِ لَهُمَا، فَبِهَذَا بَانَ حُكْمُهُمَا مِنْ حُكْمِ الْحُلِيِّ الَّذِي يَكُونُ زِينَةً وَمَتَاعًا، فَصَارَ هَاهُنَا كَسَائِرِ الْأَثَاثِ وَالْأَمْتِعَةِ؛ فَلِهَذَا أَسْقَطَ الزَّكَاةَ عَنْهُ مَنْ أَسْقَطَهَا. وَلِهَذَا الْمَعْنَى قَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ: لَا صَدَقَةَ فِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ الْعَوَامِلِ؛ لِأَنَّهَا شُبِّهَتْ بِالْمَمَالِيكِ وَالْأَمْتِعَةِ، ثُمَّ أَوْجَبُوا الصَّدَقَةَ فِي الْحُلِيِّ، وَأَوْجَبَ أَهْلُ الْحِجَازِ الْصَّدَقَةَ فِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ الْعَوَامِلِ، وَأَسْقَطُوهَا مِنَ الْحُلِيِّ، وَكِلَا الْفَرِيقَيْنِ قَدْ كَانَ يَلْزَمُهُ فِي مَذْهَبِهِ أَنْ يَجْعَلَهَا وَاحِدًا، إِمَّا إِسْقَاطَ الصَّدَقَةِ عَنْهُمَا جَمِيعًا، وَإِمَّا إِيجَابَهَا فِيهِمَا جَمِيعًا، وَكَذَلِكَ هُمَا عِنْدَنَا سَبِيلُهُمَا وَاحِدٌ، لَا تَجِبُ الصَّدَقَةُ عَلَيْهِمَا؛ لِمَا قَصَصْنَا مِنْ أَمْرِهِمَا ⦗٥٤٤⦘، فَأَمَّا الْحَدِيثُ الْمَرْفُوعُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَوَّلَ هَذَا الْبَابِ، حِينَ قَالَ لِلْيَمَانِيَّةِ ذَاتِ الْمَسَكَتَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ: أَتُعْطِينَ زَكَاتَهُ؟ فَإِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَا نَعْلَمُهُ يُرْوَى إِلَّا مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ بِإِسْنَادٍ قَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ فِيهِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، فَإِنْ يَكُنِ الْأَمْرُ عَلَى مَا رُوِيَ، وَكَانَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَحْفُوظًا، فَقَدْ يَحْتَمِلُ مَعْنَاهُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِالزَّكَاةِ الْعَارِيَةَ، كَمَا فَسَّرَتْهُ الْعُلَمَاءُ الَّذِينَ ذَكَرْنَاهُمْ: سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، فِي قَوْلِهِمْ: زَكَاتُهُ عَارِيَتُهُ. وَلَوْ كَانَتِ الزَّكَاةُ فِي الْحُلِيِّ فَرْضًا كَفَرْضِ الرِّقَةِ، مَا اقْتَصَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَنْ يَقُولَهُ لِامْرَأَةٍ يَخُصُّهَا بِهِ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ الْحُلِيَّ عَلَيْهَا دُونَ النَّاسِ، وَلَكَانَ هَذَا كَسَائِرِ الصَّدَقَاتِ الشَّائِعَةِ الْمُنْتَشِرَةِ عَنْهُ فِي الْعَالَمِ مِنْ كُتُبِهِ وَسُنَّتِهِ، وَلَفَعَلَتْهُ الْأَئِمَّةُ بَعْدَهُ، وَقَدْ كَانَ الْحُلِيُّ مِنْ فِعْلِ النَّاسِ فِي آبَادِ الدَّهْرِ، فَلَمْ نَسْمَعْ لَهُ ذِكْرًا فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ صَدَقَاتِهِمْ.
١٢٩٢ - وَكَذَلِكَ حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قَوْلِهَا: لَا بَأْسَ بِلُبْسِ الْحُلِيِّ إِذَا أُعْطِيَتْ زَكَاتُهُ. لَا وَجْهَ لَهُ عِنْدِي سِوَى الْعَارِيَةِ؛ لِأَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ كَانَ يُنْكِرُ عَنْهَا أَنْ تَكُونَ أَمَرَتْ بِذَلِكَ أَحَدًا مِنْ نِسَائِهَا أَوْ بَنَاتِ أَخِيهَا، وَلَمْ تَصِحَّ زَكَاةُ الْحُلِيِّ عِنْدَنَا عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، إِلَّا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
١٢٩٣ - فَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي تَزْكِيَتِهِ حُلِيَّ بَنَاتِهِ، فَفِي إِسْنَادِهِ نَحْوٌ مِمَّا فِي إِسْنَادِ الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ.
١٢٩٤ - وَالْقَوْلُ الْآخَرُ هُوَ عَنْ عَائِشَةَ، وَابْنِ عُمَرَ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَنَسِ ⦗٥٤٥⦘ بْنِ مَالِكٍ، ثُمَّ مَنْ وَافَقَهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ بَعْدُ. وَمَعَ هَذَا كُلِّهِ مَا تَأَوَّلْنَا فِيهِ مِنْ سُنَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُصَدِّقَةِ لِمَذْهَبِهِمْ عِنْدَ التَّدَبُّرِ وَالنَّظَرِ.
١٢٩٥ - وَقَدْ قَالَ بَعْضُ مَنْ يُوجِبُ الزَّكَاةَ فِي الْحُلِيِّ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [التوبة: ٣٤] . قَالَ: وَالْحُلِيُّ مِنَ الْكُنُوزِ، وَفِيهِ الزَّكَاةُ لِذَلِكَ. فَيُقَالَ لَهُ: فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَالَ حِينَ ذَكَرَ الْإِبِلَ: فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ، حَتَّى عَدَّ صَدَقَةَ الْمَوَاشِي، وَلَمْ يَشْتَرِطْ سَائِمَةً وَلَا غَيْرَهَا، فَإِنْ وَجَبَتِ الصَّدَقَةُ فِي الْحُلِيِّ لِأَنَّ تِلْكَ الْآيَةَ عَامَّةٌ، فَأَوْجِبِ الصَّدَقَةَ فِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ الْعَوَامِلِ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامٌّ فِيهِمَا.
١٢٩٦ - قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَأَمَّا النُّقَرُ وَالتِّبْرُ فَإِنَّ الزَّكَاةَ فِيهِمَا وَاجِبَةٌ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُمَا كَالْوَرِقِ وَالتِّبْرِ الَّذِي لَا يُنْتَفَعُ مِنْهُمَا بِأَكْثَرَ مِنَ الْإِنْفَاقِ، وَهُمَا مُفَارِقَانِ لِلْحُلِيِّ فِي مَعْنَاهُ مِنَ اللُّبْسِ وَالِاسْتِمْتَاعِ بِهِ، فَلِهَذَا وَجَبَتْ فِيهِمَا الزَّكَاةُ وَقَدْ أَفْتَى بِذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.