فأَبشِرْ أيها القاضي، فإنَّ الله بَعَثَ على رأس المئة عمرَ بنَ عبد العزيز، وبَعَثَ على رأس المئتين محمدَ بنَ إدريس الشافعيَّ، وأنت على رأس الثلاث مئةٍ، ثم أَنشأَ يقول:
قال: فصاحَ القاضي أبو العباس ﵀ بالبكاء، وقال: قد نَعَى إليَّ نَفْسي هذا الشيخُ.
فحدَّثَني جماعةٌ من أصحابي: أنهم حَضَروا مجلسَ الشيخ الإمام أبي الطيِّب سهلَ بن محمد بن سليمان، وجَرَى ذكرُ هذه الحكاية، فحَكَوْها عنِّي بحَضْرتِه، وفي المجلس أبو عَمرو البَسْطاميُّ الفقيه الرَّزْجاهي (١)، فأنشأَ أبو عمرو في الوقتِ:
والرابعُ المشهورُ سَهلُ محمَّدٍ … أَضحى إمامًا عند كلِّ موحِّد
يَأْوي إليه المسلمون بأَسرِهمْ … في العِلمِ إنْ حَرِجُوا بخَطْبٍ مُؤبِدِ (٢)
لا زالَ فيما بينَنا شيخَ الوَرَى … للمذهبِ المختارِ خيرَ مُجدِّدِ (٣)
(١) تحرَّف في النسخ الخطية إلى: الارجاهي، والتصويب من "الأنساب" ٦/ ١١٠، و"سير أعلام النبلاء" ١٧/ ٥٠٤، حيث ترجما أبا عمرو هذا: وهو محمد بن عبد الله بن أحمد، فقيه شافعي محدِّث أديب، ورَزْجاه: قرية من قرى بسطام. (٢) اختلف إعجام هذه الكلمات في النسخ الخطية، ولعلَّ ما أثبتناه هو أَوجهها. والمعنى: إن وجدوا الحَرَج - وهو الضِّيق - إذا نزل بهم أمرٌ عظيم من الأوابد والغرائب، فالآبدة: كل مسألة يَدِقُّ معناها ولا تتضح إلّا لذي ذكاء وفطنة. (٣) تحرَّف في (ز) و (ك) و (ب) إلى: غير مجدد، والتصويب من (م) و"تاريخ دمشق" لابن عساكر ٥١/ ٣٤١ حيث ساق هذه الحكاية بتمامها.