لهم على عدم العمل بالتوراة، مع إقرارهم بصحة أحكامها. وقوله تعالى:{وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} واقع موقع الحال المؤكدة لقوله: {أَقْرَرْتُمْ}؛ كما يقال: فلان مقر على نفسه بكذا، شاهداً عليها. ويصح أن يكون قوله:{أَقْرَرْتُمْ} إخباراً عن اعتراف سلفهم بالميثاق، وقد عرفنا أنه قد يجيء ما يصدر من السلف في صورة خطاب للخلف. وقوله:{وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} إخبار عما وقع من اليهود الحاضرين في عهد نزول القرآن الكريم. والمعنى: اعترفتم؛ أي: اعترف أسلافكم بالميثاق، وأنتم تشهدون الآن على إقرارهم وقبولهم له. فيكون الإقرار في قوله:{أَقْرَرْتُمْ} صادراً من سلفهم، والشهادة مسندة إلى اليهود الحاضرين عند نزول الآية.
هذا تقريع لهم على عصيانهم بارتكاب ما نُهوا عنه. وقد وردت هذه الجملة على أسلوب قول العرب:"ها أنت ذا قائماً". فالضمير {أَنْتُمْ} مبتدأ، واسم الإشارة {هَؤُلَاءِ} خبر عنه، وجملة:{تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ} حال، وهي من قبيل الأحوال التي لا تحصل الفائدة من الإخبار إلا بذكرها. والمعنى: ثم أنتم - يا معشر اليهود - بعد إقراركم بالميثاق الذي أخذته عليكم، وبعد شهادتكم على أنفسكم بذلك، صرتم في حال غير الحال التي كنتم عليها، فنقضتم العهد، وارتكبتم ما نهيتم عنه من القتل والإخراج من الديار.