الِانْتِقَالُ: الِاقْتِضَابَ (١)، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ: الِاقْتِطَاعُ وَالِارْتِجَالُ. وَهُوَ مَذْهَبُ الْعَرَبِ الْجَاهِلِيَّةِ وَمَنْ يَلِيْهِمْ مِنَ الْمُخَضْرَمِيْنَ -بِالْخَاءِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَتَيْنِ- أَيِ: الَّذِيْنَ أَدْرَكُوا الْجَاهِلِيَّةَ وَالْإِسْلَامَ؛ مِثْلُ لَبِيْدٍ (٢)؛ وَحَسَّانَ.
وَالشُّعَرَاءُ الْإِسْلَامِيُّوْنَ قَدْ يَتْبَعُوْنَهُمْ فِيْ ذَلِكَ، وَيَجْرُوْنَ عَلَى مَذْهَبِهِمْ؛ كَأَبِيْ تَمَّامٍ فِيْ قَوْلِهِ: [الخفيف]
لَوْ رَأَى اللهُ أَنَّ فِي الشَّيْبِ خَيْراً ... جَاوَرَتْهُ الْأَبْرَارُ فِي الْخُلْدِ شِيْبَا (٣)
ثُمَّ انْتَقَلَ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ إِلَى مَا لَا يُلَائِمُهُ، فَقَالَ:
كُلَّ يَوْمٍ تُبْدِيْ صُرُوْفُ اللَّيَالِيْ ... خُلُقاً مِنْ أَبِيْ سَعِيْدٍ غَرِيْبَا
وَمِنَ الِاقْتِضَابِ مَا يَقْرُبُ مِنَ التَّخَلُّصِ فِيْ أَنْ يَشُوْبَهُ شَيْءٌ مِنَ الْمُنَاسَبَةِ؛ كَقَوْلِكَ بَعْدَ حَمْدِ اللهِ: (أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّهُ كَانَ كَذَا وَكَذَا) فَهُوَ اقْتِضَابٌ مِنْ جِهَةِ الِانْتِقَالِ مِنَ الْحَمْدِ وَالثَّنَاءِ إِلَى كَلَامٍ آخَرَ مِنْ غَيْرِ مُلَاءَمَةٍ؛ لَكِنَّهُ يُشْبِهُ التَّخَلُّصَ مِنْ حَيْثُ لَمْ يُؤْتَ بِالْكَلَامِ الْآخَرِ فَجْأَةً، مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إِلَى ارْتِبَاطٍ وَتَعْلِيْقٍ بِمَا قَبْلَهُ، بَلْ قُصِدَ نَوْعٌ مِنَ الرَّبْطِ عَلَى مَعْنى: (مَهْمَا يَكُنْ مِنْ شَيْءٍ بَعْدَ الْحَمْدِ وَالثَّنَاءِ؛ فَإِنَّهُ كَانَ كَذَا وَكَذَا). وَقِيْلَ: إِنَّ قَوْلَهُمْ بَعْدَ حَمْدِ اللهِ: (أَمَّا بَعْدُ) هُوَ فَصْلُ الْخِطَابِ (٤).
قَالَ ابْنُ الْأَثِيْرِ (٥): وَالَّذِيْ أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُوْنَ مِنْ عُلَمَاءِ الْبَيَانِ أَنَّ
(١) انظر: معجم المصطلحات البلاغيّة وتطوّرها ص ١٦٥.(٢) ت ٤١ هـ. انظر: الأعلام ٥/ ٢٤٠.(٣) له في ديوانه ١/ ١٦٨، والإيضاح ٦/ ١٥٤، وإيجاز الطّراز ص ٥٠٤، والمطوّل ص ٧٣٨، ومعاهد التّنصيص ٤/ ٢٦٦.(٤) انظر: معجم المصطلحات البلاغيّة وتطوّرها ص ٥٤٩.(٥) انظر: المثل السّائر ٣/ ١٣٩.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.