أبيه قال: [أثنى رجلٌ على رَجُلٍ عند النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال:"وَيْلَكَ، قَطَعْتَ عُنُقَ صاحبك"، قَطَعْتَ عُنُقَ صاحِبِكَ مِرارًا. ثم قال: مَنْ كان مِنكم مادِحًا أخاه لا مَحالةَ فَلْيَقُل: أَحْسِبُ فُلانًا واللَّه حَسيبُهُ، ولا أُزكِّي على اللَّه أحدًا، أَحْسبُه كذا وكذا، إنْ كان يعلمُ ذلك منْه] (١).
الحديث الثالث: روى مسلم وأبو داود والترمذي عن هَمّام، قال: جاء رجل فأثنى على عثمان في وجهه، فأخذ المقداد بن الأسود ترابًا فحثا في وجهه، وقال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: [إذا لقيتُم المَدَّاحين فاحْثوا في وجوههم التراب](٢).
في هذه الآيات: ذمُّ أهل الإعراض والكبر، وتقرير أنه لا يحمل أحدٌ عن أحد الإثم والوزر، واللَّه تعالى لا يضيع لأحد استحقاقه من الثواب والأجر.
فقوله تعالى:{أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى}. ذمٌّ من اللَّه لمن تولى عن طاعته فلا صدّق ولا صلى، ولكن كذّب وتولى. قال ابن جرير:(يقول تعالى ذكره: أفرأيت يا محمد الذي أدبر عن الإيمان باللَّه، وأعرض عنه وعن دينه).
وقوله تعالى:{وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى}. أي أطاع قليلًا وأنفق ثم انقطع وأمسك وبخل. قال ابن عباس:(أطاع قليلًا ثم قطعه). وقال مجاهد:({وَأَكْدَى}: انقطع عطاؤه). وقال قتادة:(أعطى قليلًا، ثم قطع ذلك). قال القرطبي: (وأصل "أَكْدى" من الكُدْية، يقال لمن حَفَر بئرًا ثم بلغ إلى حجر لا يتهيأ له فيه حَفْر: قد أكدى، ثم استعملته العرب لمن أعطى ولم يُتَمِّم، ولمن طلب شيئًا ولم يبلغ آخره). وقال
(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٦٦٢) - كتاب الشهادات، وأخرجه مسلم (٣٠٠٠) ح (٦٥) وأبو داود (٤٨٠٥)، وأحمد (٥/ ٤١)، (٥/ ٤٥)، وابن حبان (٥٧٦٦). (٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٣٠٠٢)، والبخاري في "الأدب المفرد" (٣٣٩)، وأبو داود (٤٨٠٤)، والترمذي (٢٣٩٣)، وابن ماجة (٣٧٤٢)، وأحمد (٥/ ٦).