وَبِرَهْنِ إحْدَاهُمَا وَإِجَارَتِهَا وَتَدْبِيرِهَا لَا تَحِلُّ الْأُخْرَى؛ أَلَا يَرَى أَنَّهَا لَا تَخْرُجُ بِهَا عَنْ مِلْكِهِ، وَقَوْلُهُ أَوْ نِكَاحٍ أَرَادَ بِهِ النِّكَاحَ الصَّحِيحَ. أَمَّا إذَا زَوَّجَ إحْدَاهُمَا نِكَاحًا فَاسِدًا لَا يُبَاحُ لَهُ وَطْءُ الْأُخْرَى إلَّا أَنْ يَدْخُلَ الزَّوْجُ بِهَا فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ الْعِدَّةُ عَلَيْهَا، وَالْعِدَّةُ كَالنِّكَاحِ الصَّحِيحِ فِي التَّحْرِيمِ. وَلَوْ وَطِئَ إحْدَاهُمَا حَلَّ لَهُ وَطْءُ الْمَوْطُوءَةِ دُونَ الْأُخْرَى؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ جَامِعًا بِوَطْءِ الْأُخْرَى لَا بِوَطْءِ الْمَوْطُوءَةِ. وَكُلُّ امْرَأَتَيْنِ لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا نِكَاحًا فِيمَا ذَكَرْنَاهُ بِمَنْزِلَةِ الْأُخْتَيْنِ.
قَالَ (وَيُكْرَهُ أَنْ يُقَبِّلَ الرَّجُلُ فَمَ الرَّجُلِ أَوْ يَدَهُ أَوْ شَيْئًا مِنْهُ أَوْ يُعَانِقَهُ) وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ هَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا بَأْسَ بِالتَّقْبِيلِ وَالْمُعَانَقَةِ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ عَانَقَ جَعْفَرًا ﵁ حِينَ قَدِمَ مِنْ الْحَبَشَةِ وَقَبَّلَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ» وَلَهُمَا مَا رُوِيَ
هَاهُنَا هُوَ التَّشْبِيهُ بِمَا قَبْلَهُ كَمَا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْ كَلِمَةِ كَذَا فِي قَوْلِهِ وَكَذَا إعْتَاقُ الْبَعْضِ مِنْ إحْدَاهُمَا كَإِعْتَاقِ كُلِّهَا هُوَ التَّشْبِيهُ أَيْضًا بِمَا قَبْلَهُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَأَيْضًا الْكِتَابَةُ كَالْإِعْتَاقِ فِي هَذَا، وَالْغَرَضُ مِنْ التَّشْبِيهِ التَّشْرِيكُ فِي تَعْلِيلِ وَاحِدٍ كَمَا يُرْشِدُ إلَيْهِ قَوْلُهُ لِثُبُوتِ حُرْمَةِ الْوَطْءِ بِذَلِكَ كُلِّهِ فَتَدَبَّرْ.
(قَوْلُهُ وَبِرَهْنِ إحْدَاهُمَا وَإِجَارَتِهَا وَتَدْبِيرِهَا لَا تَحِلُّ الْأُخْرَى؛ أَلَا يُرَى أَنَّهَا لَا تَخْرُجُ بِهَا عَنْ مِلْكِهِ) أَقُولُ: كَانَ الظَّاهِرُ فِي التَّعْلِيلِ هُنَا أَنْ يَقُولَ: لِأَنَّهُ لَا تَثْبُتُ بِهَا حُرْمَةُ الْوَطْءِ. فَإِنَّ مُجَرَّدَ عَدَمِ خُرُوجِهَا عَنْ مِلْكِهِ لَا يَقْتَضِي أَنْ لَا تَحِلَّ لَهُ الْأُخْرَى؛ أَلَا يُرَى أَنَّهَا لَا تَخْرُجُ عَنْ مِلْكِهِ بِالْكِتَابَةِ أَيْضًا كَمَا تَقَرَّرَ فِي كِتَابِ الْمُكَاتَبِ، وَصَرَّحَ بِهِ الشُّرَّاحُ أَيْضًا هُنَا فِيمَا قَبْلُ، مَعَ أَنَّهُ إذَا كَاتَبَ إحْدَاهُمَا تَحِلُّ لَهُ الْأُخْرَى كَمَا مَرَّ آنِفًا، وَحَمْلُ الْمِلْكِ فِي قَوْلِهِ لَا تَخْرُجُ بِهَا عَنْ مِلْكِهِ عَنْ مِلْكِ الْوَطْءِ كَمَا فَعَلَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ تَعَسُّفٌ لَا يَخْفَى. إذْ الْمُسْتَعْمَلُ فِي اللُّغَةِ وَالْعُرْفِ حِلُّ الْوَطْءِ لَا مِلْكُ الْوَطْءِ، وَإِنَّمَا يُقَالُ مِلْكُ الْيَمِينِ أَوْ مِلْكُ النِّكَاحِ.
(قَوْلُهُ وَلَهُمَا مَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ نَهَى عَنْ الْمُكَامَعَةِ وَهِيَ الْمُعَانَقَةُ، وَعَنْ الْمُكَاعَمَةِ وَهِيَ التَّقْبِيلُ») قَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ: وَتَفْسِيرُ الْمُكَامَعَةِ بِالْمُعَانَقَةِ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِي دِيوَانِ الْأَدَبِ وَغَيْرِهِ: كَامَعَ امْرَأَتَهُ: ضَاجَعَهَا، وَكَاعَمَ الْمَرْأَةَ: قَبَّلَهَا. وَقَالَ فِي الْفَائِقِ: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ الْمُكَامَعَةِ وَالْمُكَاعَمَةِ»: أَيْ عَنْ مُلَاثَمَةِ الرَّجُلِ الرَّجُلِ وَمُضَاجَعَتِهِ إيَّاهُ لَا سَتْرَ بَيْنَهُمَا إلَى هُنَا لَفْظُ غَايَةِ الْبَيَانِ.
وَقَالَ الْعَيْنِيُّ بَعْدَ نَقْلِ ذَلِكَ: قُلْت فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْمُضَاجِعَ هُوَ الْمُعَانِقُ غَالِبًا، وَلَا يُضَاجِعُ أَحَدٌ غَيْرَهُ إلَّا وَالْغَالِبُ أَنَّهُ يُعَانِقُهُ اهـ.
أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ، لِأَنَّ كَوْنَ الْمُضَاجِعِ هُوَ الْمُعَانِقُ غَالِبًا مَمْنُوعٌ، وَلَوْ سَلِمَ ذَلِكَ فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ تَكُونَ الْمُكَامَعَةُ هِيَ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.