وَلَنَا أَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ لِعَمَلٍ لَا وُجُودَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ فِعْلٌ حِسِّيٌّ لَا يُتَصَوَّرُ فِي الشَّائِعِ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ حُكْمِيٌّ، وَإِذَا لَمْ يُتَصَوَّرْ تَسْلِيمُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ لَا يَجِبُ الْأَجْرُ
مُشْتَرَكًا، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ لِلْمُسْتَأْجِرِ خَاصَّةً يَتَوَجَّهُ إلْزَامُ الشَّافِعِيِّ بِأَنَّ وَضْعَ الطَّعَامِ فِعْلٌ حِسِّيٌّ، وَالْمُسْتَأْجَرُ هُوَ النَّصِيبُ الشَّائِعُ مِنْ الدَّارِ وَلَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ الْفِعْلُ الْحِسِّيُّ انْتَهَى. أَقُولُ: مَا ذَكَرَهُ فِي بَيَانِ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ فِي إتْمَامِ الْكَلَامِ إلَى جَعْلِ الطَّعَامِ مُشْتَرَكًا كَلَامٌ خَالٍ عَنْ التَّحْصِيلِ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْإِلْزَامِ فِي قَوْلِهِ يَتَوَجَّهُ إلْزَامُ الشَّافِعِيِّ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُضَافًا إلَى مَفْعُولِهِ أَوْ إلَى فَاعِلِهِ، وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ لَا يَتِمُّ مَا ذَكَرَهُ.
أَمَّا عَلَى الْأَوَّلِ فَلِأَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ الْمُسْتَشْهَدَ بِهَا مِنْ قِبَلِ الشَّافِعِيِّ، وَهِيَ جَوَازُ اسْتِئْجَارِ الدَّارِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَ الْمُسْتَأْجِرِ وَغَيْرِهِ لِوَضْعِ الطَّعَامِ مِمَّا لَا مُخَالَفَةَ فِيهِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الشَّافِعِيِّ، بَلْ هِيَ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا، وَلِهَذَا ذُكِرَتْ فِي دَلِيلِهِ بِطَرِيقِ الِاسْتِشْهَادِ عَلَيْنَا فَكَيْفَ يَتَوَجَّهُ إلْزَامُنَا الشَّافِعِيَّ بِمَا يَقْتَضِي خِلَافَ مَا تَقَرَّرَ عِنْدَنَا، وَهَلَّا يَصِيرُ ذَلِكَ إلْزَامًا عَلَيْنَا أَيْضًا. وَأَمَّا عَلَى الثَّانِي فَلِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ مَنَافِعُ الدَّارِ دُونَ الْعَمَلِ، وَتَسْلِيمُ مَنَافِعِ الدَّارِ يَتَحَقَّقُ بِدُونِ وَضْعِ الطَّعَامِ فَلَا ضَيْرَ هُنَاكَ فِي أَنْ لَا يَكُونَ النَّصِيبُ الشَّائِعُ مَحَلًّا لِلْفِعْلِ الْحِسِّيِّ، بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ، فَإِنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ هُنَا الْعَمَلُ الَّذِي هُوَ الْفِعْلُ الْحِسِّيُّ، وَهُوَ لَا يُتَصَوَّرُ فِي الشَّائِعِ فَلَمْ يُتَصَوَّرُ الْإِلْزَامُ عَلَيْنَا مِنْ الشَّافِعِيِّ أَصْلًا.
ثُمَّ أَقُولُ: الظَّاهِرُ عِنْدِي أَيْضًا أَنَّهُ لَا حَاجَةَ هَاهُنَا إلَى تَقْيِيدِ الطَّعَامِ بِكَوْنِهِ مُشْتَرَكًا وَلِهَذَا لَمْ يُقَيِّدْهُ بِذَلِكَ سَائِرُ الشُّرَّاحِ قَطُّ، لَكِنْ لَا لِمَا ذَكَرَهُ ذَلِكَ الْقَائِلُ، بَلْ؛ لِأَنَّ تَمْشِيَةَ اسْتِشْهَادِ الشَّافِعِيِّ ظَاهِرًا بِالْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى تَقْيِيدِ الطَّعَامِ بِذَلِكَ بَلْ يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ اشْتِرَاكِ الدَّارِ بَيْنَ الْمُسْتَأْجِرِ وَغَيْرِهِ كَاشْتِرَاكِ الطَّعَامِ بَيْنَهُمَا فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي نَحْنُ فِيهَا، وَكَذَلِكَ الْجَوَابُ الَّذِي يَأْتِي مِنْ قِبَلِنَا عَنْ اسْتِشْهَادِ الشَّافِعِيِّ بِتِلْكَ الْمَسْأَلَةِ لَا يَخْتَصُّ بِصُورَةِ تَقْيِيدِ الطَّعَامِ بِذَلِكَ بَلْ يَتِمُّ وَيَجْرِي عَلَى الْإِطْلَاقِ يَشْهَدُ بِذَلِكَ كُلِّهِ التَّأَمُّلُ الصَّادِقُ. (قَوْلُهُ: وَلَنَا أَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ لِعَمَلٍ لَا وُجُودَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ فِعْلٌ حِسِّيٌّ لَا يُتَصَوَّرُ فِي الشَّائِعِ) قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: إذْ الْحَمْلُ يَقَعُ عَلَى مُعَيَّنٍ وَالشَّائِعُ لَيْسَ بِمُعَيَّنٍ.
وَقَالَ: فَإِنْ قِيلَ: إذَا حُمِلَ الْكُلُّ فَقَدْ حُمِلَ الْبَعْضُ لَا مَحَالَةَ فَيَجِبُ الْأَجْرُ. أُجِيبَ بِأَنَّ حَمْلَ الْكُلِّ حَمْلٌ مُعَيَّنٌ، وَهُوَ لَيْسَ بِمَعْقُودٍ عَلَيْهِ انْتَهَى. أَقُولُ: فِي الْجَوَابِ نَظَرٌ، وَهُوَ أَنَّ عَدَمَ كَوْنِ حَمْلِ الْكُلِّ مَعْقُودًا عَلَيْهِ لَا يُجْدِي شَيْئًا فِي دَفْعِ السُّؤَالِ؛ لِأَنَّ حَاصِلَ السُّؤَالِ أَنَّ حَمْلَ الطَّعَامِ وَاقِعٌ عَلَى مُعَيَّنٍ قَطْعًا فَكَانَ مَوْجُودًا، وَحَمْلُ الْكُلِّ لَا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ حَمْلِ كُلُّ جُزْءٍ مِنْهُ فَقَدْ اسْتَلْزَمَ وُجُودُ حَمْلِ الْكُلِّ وُجُودَ حَمْلِ كُلِّ جُزْءٍ مِنْهُ لَا مَحَالَةَ، وَمِنْ جُمْلَةِ الْأَجْزَاءِ نَصِيبُ الْمُسْتَأْجِرِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَجِبَ الْأَجْرُ لِحَمْلِ ذَلِكَ الْجُزْءِ الَّذِي هُوَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ عَدَمَ كَوْنِ الْكُلِّ مَعْقُودًا عَلَيْهِ لَا يُفِيدُ شَيْئًا فِي دَفْعِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَكُونُ مُفِيدًا لَوْ كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْ السُّؤَالِ وُجُوبَ الْأَجْرِ بِحَمْلِ الْكُلِّ وَلَيْسَ فَلَيْسَ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.