لِأَنَّهُ يُبْتَنَى عَلَى قُوَّةِ الطِّبَاعِ وَضَعْفِهَا فِي تَحَمُّلِ الْأَلَمِ فَلَا يُمْكِنُ التَّقْيِيدُ بِالْمُصْلِحِ مِنْ الْعَمَلِ، وَلَا كَذَلِكَ دَقُّ الثَّوْبِ وَنَحْوُهُ مِمَّا قَدَّمْنَاهُ؛ لِأَنَّ قُوَّةَ الثَّوْبِ وَرِقَّتَهُ تُعْرَفُ بِالِاجْتِهَادِ فَأَمْكَنَ الْقَوْلُ بِالتَّقْيِيدِ.
قَالَ: (وَالْأَجِيرُ الْخَاصُّ الَّذِي يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ بِتَسْلِيمِ نَفْسِهِ فِي الْمُدَّةِ وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ كَمَنْ اُسْتُؤْجِرَ شَهْرًا لِلْخِدْمَةِ أَوْ لِرَعْيِ الْغَنَمِ) وَإِنَّمَا سُمِّيَ
بِعَدَمِ التَّجَاوُزِ سَاكِتَةٌ عَنْ الْإِذْنِ، وَرِوَايَةُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ نَاطِقَةٌ بِالْإِذْنِ سَاكِتَةٌ عَنْ التَّجَاوُزِ، فَصَارَ مَا نَطَقَ بِهِ رِوَايَةُ الْمُخْتَصَرِ بَيَانًا لِمَا سَكَتَ عَنْهُ رِوَايَةُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَمَا نَطَقَ بِهِ رِوَايَةُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بَيَانًا لِمَا سَكَتَ عَنْهُ رِوَايَةُ الْمُخْتَصَرِ. فَيُسْتَفَادُ بِمَجْمُوعِ الرِّوَايَتَيْنِ اشْتِرَاطُ عَدَمِ التَّجَاوُزِ وَالْإِذْنِ لِعَدَمِ وُجُوبِ الضَّمَانِ، حَتَّى إذَا عَدِمَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا يَجِبُ الضَّمَانُ. اهـ.
وَأَمَّا صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فَقَالَ وَكُلٌّ مِنْهُمَا يَشْتَمِلُ عَلَى نَوْعٍ مِنْ الْبَيَانِ. أَمَّا فِي الْقُدُورِيِّ فَلِأَنَّهُ ذَكَرَ عَدَمَ التَّجَاوُزِ عَنْ الْمَوْضِعِ الْمُعْتَادِ، وَيُفِيدُ أَنَّهُ إذَا تَجَاوَزَ ضَمِنَ، وَأَمَّا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرُ فَلِأَنَّهُ بَيَّنَ الْأُجْرَةَ وَكَوْنُ الْحِجَامَةِ بِأَمْرِ الْمَوْلَى وَالْهَلَاكِ، وَيُفِيدُ أَنَّهَا إذَا لَمْ تَكُنْ بِأَمْرِهِ ضَمِنَ. اهـ كَلَامُهُ. أَقُولُ: فِي بَيَانِهِ خَلَلٌ، فَإِنَّهُ جَعَلَ الْهَلَاكَ أَيْضًا مِنْ الْبَيَانِ الَّذِي فِي عِبَارَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَلَيْسَ بِسَدِيدٍ إذْ لَا شَكَّ أَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْعِبَارَتَيْنِ نَوْعُ بَيَانٍ أَنَّ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَوْعًا مِنْ الْبَيَانِ مَخْصُوصًا بِهِ، وَالْهَلَاكُ مَذْكُورٌ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيْرُ مَخْصُوصٍ بِأَحَدِهِمَا، فَإِنَّهُ قَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْقُدُورِيِّ: فِيمَا عَطِبَ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: فَنَفَقَتْ وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعْنَى الْهَلَاكِ، بَلْ مَا فِي مُخْتَصَرِ الْقُدُورِيِّ صَرَّحَ فِي ذَلِكَ بِمَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، فَإِنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ فَسَّرُوا عَطِبَ بِهَلَكَ وَنَفَقَ بِمَاتَ.
(قَوْلُهُ: وَالْأَجِيرُ الْخَاصُّ الَّذِي يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ بِتَسْلِيمِ نَفْسِهِ فِي الْمُدَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا يَرُدُّ عَلَى الْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ. وَالْجَوَابُ عَنْهُ فَعَلَيْك بِمِثْلِهِ هَاهُنَا اهـ. أَقُولُ: لَا يَذْهَبُ عَلَى الْفَطِنِ أَنَّ مِثْلَ الْجَوَابِ الْمَذْكُورِ هُنَاكَ عَنْ الْإِيرَادِ عَلَى تَعْرِيفِ الْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ بِأَنَّهُ تَعْرِيفٌ دَوْرِيٌّ لَا يَتَمَشَّى هَاهُنَا، يَظْهَرُ ذَلِكَ بِأَدْنَى وَجْهِ تَدَبُّرٍ، فَكَأَنَّ صَاحِبَ النِّهَايَةِ تَدَارَكَ هَذَا حَيْثُ قَالَ: وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ، وَمَا وَرَدَ فِيهِ مِنْ الشُّبْهَةِ انْتَهَى. وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْجَوَابِ، لَكِنْ فِي تَحْرِيرِهِ أَيْضًا رَكَاكَةٌ؛ لِأَنَّ الْمَذْكُورَ فِيمَا تَقَدَّمَ تَعْرِيفُ الْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ، وَمَا وَرَدَ فِيهِ مِنْ الشُّبْهَةِ لَا تَعْرِيفَ الْأَجِيرِ الْخَاصِّ، وَمَا وَرَدَ فِيهِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.