إن شهد بحدثان الصلح لم تجز، وإن طال وتحقق صلحهما وظَهرت براءتهما من ذحل العداوة والخصومة جازت. اهـ. وهذا كما في النوادر. وَقول محمد: لا ينبغي أن يكون خلافا لهم، وحمله ابن عبد السلام على الخلاف اعتمادا على إطلاقه وكل هذا معنى قول المص:"بما يغلب على الظن". وقوله:"بلا حد" أي من غير تحديد بزمان ولا غيره كالسلام ونحوه. اهـ.
وتحصَّلَ مما مر أن معنى قول المص:"وزوال العداوة والفسق بما يغلب على الظن بلا حد" أنه إنما ينظر في زوال العداوة والفسق للقرائن التي يغلب على الظن بسبب حصولها زوالهما، ولا بد من طول زمن بين الشهادتين ولا حد في قدر ذلك الزمن ولما فيما يقع بينهما من سلام ونحوه، وإنما الرجع في زوالهما بما يغلب على الظن من زوالهما بسبب القرائن وطول الزمن. والله تعالى أعلم.
ومن امتنعت له لم يزك شاهده يعني أن من امتنعت شهادتك له لأجل القرابة المتأكدة كأبيك وابنك ونحوهما لا يجوز لك أن تزكي من شهد له لأنك تجد له بذلك منفعة، فلا تمح شهادتك بذلك، وكما لم يزك شاهده لم يجرح شاهدا عليه بحق لأنه يدفع عنه بذلك مضغ فيجرح معطوف على مدخول "لم". قاله عبد الباقي. وقال ابن مرزوق: والمعنى أن كل من لا تقبل شهادته على غيره لقرابة ونحوها لا تقبل تزكيته لمن شهد لذلك الغير، ولا يقبل تجريحه لمن شهد عليه أيضا وهذا بين؛ لأن تزكيته وتجريحه لمن ذكر لما كانا نافعين لمن امتنعت له امتنعا لأنهما يرجعان إلى الشهادة لمن تقبل له.
ومن امتنعت عليه فالعكس يعني أن من لا تقبل شهادته على غيره لعداوه أو نحوها لم يقبل تجريحه لمن شهد لذلك الغير ولا تزكيته لمن شهد عليه، وإنما لم يقبلا منه لأنهما يضران المشهود عليه فامنتع قبولهما منه كما تمنع شهادته عليه، وفهم من المص أن من امتنعت له يزكي من شهد عليه ويجرح من شهد له، وإن امتنعت عليه يزكي من شهد له ويجرح من شهد عليه. إلا الصبيان مستثنى من قوله أول الباب:"العدو بالغ" لخ. قال الخرشي: لما ذكر شروط شهادة البالغين وانتفاء موانعها، أخرج من ذلك شهادة الصبيان بعضهم على بعض فإنها لا يشترط فيها جميع الشروط ولا انتفاء كل الموانع، فتجوز شهادتهم بشروطها الآتية وهو مذهب مالك وجماعة