فهذه الأحاديث في معنى قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ فمن اتصف من هذه الأُمة بهذه الصفات دخل معهم في هذا الثناء عليهم [والمدح](١)، كما قال قتادة: بلغنا أن عمر بن الخطاب ﵁ في حجّة حجَّها، رأى من الناس سرعة، فقرأ هذه الآية ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ثم قال: من سره أن يكون من تلك الأمة، فليؤد شرط الله فيها، رواه ابن جرير (٢). ومن لم يتصفّ بذلك أشبه أهل الكتاب الذين ذمهم الله بقوله تعالى: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ [المائدة: ٧٩] ولهذا لما مدح تعالى هذه الأمة على هذه الصفات، شرع في ذمِّ أهل الكتاب وتأنيبهم، فقال تعالى: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ أي: بما أنزل على محمد ﷺ: ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أي: قليل منهم من يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم، وأكثرهم على الضلالة والكفر والفسق والعصيان.
ثم قال تعالى مخبرًا عباده المؤمنين ومبشرًا لهم أن النصر والظفر لهم على أهل الكتاب الكفرة الملحدين، فقال تعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١١١)﴾ وهكذا وقع، فإنهم يوم خيبر أذلهم الله وأرغم أنوفهم (٣)، وكذلك من قبلهم من يهود المدينة بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة كلهم أذلهم الله، وى لك النصارى بالشام كسرهم الصحابة في غير ما موطن، وسلبوهم ملك الشام أبد الآبدين ودهر الداهرين، ولا تزال عصابة الإسلام قائمة بالشام حتَّى ينزل عيسى ابن مريم وهم كذلك، ويحكم بملة الإسلام وشرع محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية، ولا يقبل إلا الإسلام.
ثم قال تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ أي: ألزمهم الله الذلة والصغار أينما كانوا فلا يأمنون ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: بذمة من الله، وهو عقد الذمة لهم وضرب الجزية عليهم وإلزامهم أحكام الملة ﴿وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ أي: أمان منهم لهم، كما في المهادن والمعاهَد والأسير إذا أمنه واحد من المسلمين، ولو امرأة، وكذا عَبْد على أحد قولي العلماء.
قال ابن عَبَّاس: ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ أي: بعهد من الله وعهد من الناس (٤). وكذا قال مجاهد وعكرمة وعطاء والضحاك والحسن وقتادة والسدي والربيع بن أنس (٥).
= الثعلبي على رواية ابن عدي، وكلاهما مستقيم. (١) في الأصل: "والفرح" والتصويب من (عف) و (ح) و (حم) و (مح). (٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأن قتادة لم يسمع من عمر. (٣) كذا في (عف) و (ح) و (مح) و (حم)، وفي الأصل: "أنافهم" وهو تصحيف. (٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عنترة بن عبد الرحمن عن ابن عباس. (٥) ذكرهم ابن أبي حاتم كلهم بحذف السند، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول عكرمة أخره الطبري بسند حسن من طريق عثمان بن غياث عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.