للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

استكرهنا رسول الله ، فقالوا: يا رسول الله إن شئت أن نمكث، فقال رسول الله : "ما ينبغي لنبي إذا لبس [لأمته] (١) أن يرجع حتَّى يحكم الله له" (٢)، فسار في ألف من أصحابه، فلما كانوا بالشوط، رجع عبد الله بن أبي في ثلث الجيش مغضبًا لكونه لم يرجع إلى قوله، وقال هو وأصحابه: لو نعلم اليوم قتالًا لاتبعناكم، ولكنا لا نراكم تقاتلون اليوم. واستمر رسول الله سائرًا حتَّى نزل الشعب من أحد في عدوة الوادي. وجعل ظهره وعسكره إلى أحد (٣)، وقال: "لا يقاتلن أحد حتَّى نأمره بالقتال". وتهيأ رسول الله للقتال وهو في سبعمائة من أصحابه. وأمر على الرُماة عبد الله بن جبير أخا بني عمرو بن عوف. والرُماة يومئذٍ خمسون رجلًا، فقال لهم: "انضحوا الخيل عنا [ولا] (٤) نؤتين من قبلكم وألزموا مكانكم إن كانت النوبة لنا أو علينا، وإن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم" (٥)، وظاهر رسول الله بين درعين، وأعطى اللواء مصعب بن عمير أخا بني عبد الدار. وأجاز رسول الله بعض الغلمان يومئذِ وأرجأ آخرين حتَّى أمضاهم يوم الخندق بعد هذا اليوم بقريب من سنتين، وتعبّأت قريش وهم ثلاثة آلاف، ومعهم مائتا فرس قد جنبوها، فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد، وعلى الميسرة عكرمة بن أبي جهل، ودفعوا اللواء إلى بني عبد الدار، ثم كان بين الفريقين ما سيأتي تفصيله في مواضعه عند هذه الآيات، إن شاء الله تعالى، ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ أي: تنزلهم منازلهم، وتجعلهم ميمنة وميسرة وحيث أمرتهم ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي: سميع لما تقولون، عليم بضمائركم.

وقد أورد ابن جرير ههنا سؤالًا حاصله: كيف تقولون: إن النبي سار إلى أُحد يوم الجمعة بعد الصلاة وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ … ﴾ الآية؟ ثم كان جوابه عنه (٦): أن غدوه ليبوأهم مقاعد إنما كان يوم السبت أول النهار.

وقوله تعالى: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢)﴾.

قال البخاري: حَدَّثَنَا علي بن عبد الله، حَدَّثَنَا سفيان، قال: قال عمرو: سمعت جابر بن عبد الله يقول: فينا نزلت ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾، قال: نحن الطائفتان بنو حارثة وبنو سلمة. وما نحب - وقال سفيان مرة - وما يسرني أنها لم تنزل لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ (٧)، وكذا رواه مسلم من حديث سفيان بن عيينة به (٨). وكذا قال غير واحد من السلف: إنهم بنو حارثة وبنو سلمة.


(١) الزيادة من (عف) و (حم) و (ح).
(٢) أخرج نحوه عبد الرزاق بسند صحيح عن عروة بن الزبير (المصنف ٥/ ٣٦٣ رقم ٩٧٣٥)، وذكر البخاري قصة المشاورة تعليقًا (الصحيح، الاعتصام، باب قول الله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨] قبل حديث ٧٣٦٩). ووصله الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ١٢٨)، وحسنه الحافظ ابن حجر (الفتح ١٣/ ٣٤١).
(٣) سيرة ابن هشام ٣/ ٨ - ١٢ وحدائق الأنوار ٢/ ٥٢١.
(٤) سقط من الأصل واستدرك من (عف) و (ح) و (حم) و (مح).
(٥) صحيح البخاري، الجهاد، باب ما يكره من التنازع (ح ٣٠٣٩).
(٦) كذا في (عف) و (مح)، وفي الأصل: "منه".
(٧) صحيح البخاري، المغازي، باب ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ [آل عمران: ١٢٢] (ح ٤٠٥١).
(٨) صحيح مسلم، فضائل الصحابة، باب من فضائل الأنصار (ح ٢٥٠٥).