﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ ثم أقحم فرسه دجلة، فلما أقحم، أقحم الناس، فلما رآهم العدو قالوا: ديوان (١) فهربوا (٢).
وقولهْ ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ أي: من كان عمله للدنيا فقط نال منها ما قدره الله له، ولم يكن له في الآخرة نصيب، ومن قصد بعمله الدار الآخرة أعطاه الله منها مع ما قسم له في الدنيا، كما قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠)﴾ [الشورى] وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩)﴾ [الإسراء] ولهذا قال ههنا: ﴿وَسَنَجْزِى الشَّاكِرينَ﴾ أي: سنعطيهم من فضلنا ورحمتنا في الدنيا والآخرة بحسب شكرهم وعملهم.
ثم قال تعالى مسليًا للمؤمنين عمّا كان وقع في نفوسهم يوم أُحد: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ قيل: معناه كم من نبي قتل وقتل معه ربيّون من أصحابه كثير. وهذا القول هو اختيار ابن جرير فإنه قال: وأما الذين قرأوا: ﴿قَاتَلَ (٣) مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ فإنهم قالوا: إنما عنى بالقتل: النَّبِيّ وبعض من معه من الربيين دون جميعهم، وإنما نفى الوهن والضعف عمّن بقي من الربيين ممن لم يقتل، قال: ومن قرأ قاتل فإنه اختار ذلك، لأنَّهُ قال: لو قتلوا لم يكن لقول الله: ﴿فَمَا وَهَنُوا﴾ وجه معروف لأنَّهُ يستحيل أن [يوصفوا](٤) بأنهم لم يهنوا ولم يضعفوا بعد ما قتلوا، ثم اختار قراءة من قرأ ﴿قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ لأن الله عاتب بهذه الآيات والتي قبلها من انهزم يوم أُحد وتركوا القتال لما سمعوا الصائح يصيح بأن محمدًا قد قتل، فعذلهم الله على فرارهم وتركهم القتال، فقال لهم:(﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ﴾ أيها المؤمنون ارتددتم عن دينكم ﴿انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ وقيل: وكم من نبي قتل بين يديه من أصحابه ربيون كثير، وكلام ابن إسحاق في السيرة يقتضي قولًا آخر، فإنه قال: أي: و ﴿مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ كأين من نبي أصابه القتل ومعه ربيون أي: جماعات فما وهنوا بعد نبيهم، وما ضعفوا عن عدوهم، وما استكانوا لما أصابهم في الجهاد عن الله وعن دينهم، وذلك الصبر ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ (٥) فجعل قوله: حالًا، وقد نصر هذا القول السهيلي وبالغ فيه (٦)، وله اتجاه لقوله: ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ … ﴾ الآية، وكذا حكاه الأُموي (٧) في مغازيه عن كتاب محمد بن إبراهيم ولم يحكِ غيره، وقرأ بعضهم ﴿قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ قال سفيان الثوري، عن عاصم، عن زرّ (٨) عن ابن مسعود ﴿رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ أي:
(١) ديوان: أي: شيطان (انظر: المعرب ص ٢٠٢). (٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن. (٣) قراءة (قُتل) و (قاتل) كلتاهما متواترتان. (٤) كذا في (عف) و (ح) و (حم) و (مح)، وفي الأصل: "يوهنوا" وهو تصحيف. (٥) أخرجه الطبري بسنده المتكرر عن ابن إسحاق. (٦) قال السهيلي: وهذا أصح التفسيرين (الروض الأنف ٣/ ١٩٤). (٧) وهو موسى بن عقبة الأُموي صاحب كتاب المغازي. (٨) في الأصل: "عن ذر" وهو تصحيف.