ههنا: ﴿ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ أي: لا تسوقني سياقهم وتجعلني معهم وإنما قال: "ابن أُمِّ" ليكون أرق وأنجع عنده وإلا فهو شقيقه لأبيه وأُمه، فلما تحقق موسى ﵇ براءة ساحة هارون ﵇ كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠)﴾ [طه] فعند ذلك ﴿قَالَ﴾ موسى ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا عفان، حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "يرحم الله موسى ليس المعاين كالمخبر، أخبره ربه ﷿ أن قومه فُتنوا بعده فلم يلقِ الألواح، فلما رآهم وعاينهم ألقى الألواح"(١).
أما الغضب الذي نال بني إسرائيل في عبادة العجل فهو أن الله تعالى لم يقبل لهم توبة حتى قتل بعضهم بعضًا، كما تقدم في سورة البقرة ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٥٤] وأما الذلّة فأعقبهم ذلك ذلًا وصغارًا في الحياة الدنيا.
وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ نائلة لكل من افترى بدعة فإن ذل البدعة ومخالفة الرسالة متصلة من قلبه على كتفيه، كما قال الحسن البصري: إن ذلّ البدعة على أكتافهم، وإن هملجت (٢) بهم البغلات وطقطقت بهم البراذين.
وهكذا روى أيوب السختياني عن أبي قلابة الجرمي أنه قرأ هذه الآية ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ فقال: هي والله لكل مفتر إلى يوم القيامة (٣).
وقال سفيان بن عيينة: كل صاحب بدعة ذليل (٤).
ثم نبه تعالى عباده وأرشدهم إلى أنه يقبل توبة عباده من أي ذنب كان حتى ولو كان من كفر أو شرك أو نفاق أو شقاق، ولهذا عقب هذه القصة بقوله: ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ﴾ أي: يا محمد يا رسول التوبة ونبي الرحمة ﴿مِنْ بَعْدِهَا﴾ أي: من بعد تلك الفعلة ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا أبان، حدثنا قتادة، عن عزرة، عن الحسن العرني، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود أنه سئل عن ذلك يعني: عن
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن، وتقدم نحوه وتصحيحه في الحديث السابق برواية الإمام أحمد. (٢) أي سارت بهم سيرًا حسنًا في سرعة. (٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر وحماد بن زيد عن أيوب به. (٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق محمد بن أبي عمر العدني عن سفيان.