للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

وقوله: ﴿إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ أي: يعتدون فيه ويخالفون أمر الله فيه لهم بالوصاة به إذ ذاك ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾.

قال الضحاك، عن ابن عباس: أي ظاهرة على الماء (١).

وقال العوفي، عن ابن عباس: ظاهرة من كل مكان (٢).

قال ابن جرير، وقوله: ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ﴾ أي: نختبرهم بإظهار السمك لهم على ظهر الماء في اليوم المحرم عليهم صيده وإخفائه عنهم في اليوم الحلال لهم صيده ﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ﴾ نختبرهم ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ يقول: بفسقهم عن طاعة الله وخروجهم عنها، وهؤلاء قوم احتالوا على انتهاك محارم الله بما تعاطوا من الأسباب الظاهرة التي معناها في الباطن تعاطي الحرام (٣).

وقد قال الفقيه الإمام أبو عبد الله بن بطة : حدثنا أحمد بن محمد بن مسلم، حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن رسول الله قال: "لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل" (٤). وهذا إسناد جيد فإن أحمد بن محمد بن مسلم هذا ذكره الخطيب في تاريخه ووثقه، وباقي رجاله مشهورون ثقات، ويصحح الترمذي بمثل هذا الإسناد كثيرًا.

﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (١٦٦)﴾.

يخبر تعالى عن أهل هذه القرية أنهم صاروا إلى ثلاث فرق: فرقة ارتكبت المحذور واحتالوا على اصطياد السمك يوم السبت كما تقدم بيانه في سورة البقرة (٥)، وفرقة نهت عن ذلك واعتزلتهم وفرقة سكتت فلم تفعل ولم تنه ولكنها قالت للمنكرة ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ أي: لِمَ تنهون هؤلاء وقد عملتم أنهم قد هلكوا واستحقوا العقوبة من الله فلا فائدة في نهيكم إياهم؟ قالت لهم المنكرة: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ قرأ بعضهم بالرفع كأنه على تقدير هذه معذرةٌ وقرأ آخرون بالنصب (٦) أي نفعل ذلك ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ أي: فيما أخذ علينا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ يقولون: ولعل لهذا الإنكار يتقون ما هم فيه ويتركونه ويرجعون إلى الله تائبين، فإذا تابوا تاب الله عليهم ورحمهم.

قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ أي: فلما أبى الفاعلون قبول النصيحة ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي ارتكبوا المعصية ﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ فنصّ على نجاة الناهين


(١) أخرجه الطبري بسند ضعيف لأن الضحاك لم يسمع ابن عباس.
(٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.
(٣) ذكره الطبري بنحوه.
(٤) أخرجه ابن بطة بسنده ومتنه (إبطال الحيل ص ٤٦، ٤٧)، وجود سنده الحافظ ابن كثير، وقد تقدم ذكره في سورة البقرة آية ٦٥ - ٦٦، وحسنه السخاوي في (الفتاوى الحديثية ص ٢٣٦).
(٥) آية ٦٥ - ٦٦.
(٦) وكلا القرائتين متواترة.