جبير، عن ابن عباس، وفي حديث عبد الله بن عمرو، وقد بينا أنهما موقوفان لا مرفوعان كما تقدم، ومن ثَم قال قائلون من السلف والخلف: إن المراد بهذا الإشهاد إنما هو فطرهم على التوحيد كما تقدم في حديث أبي هريرة وعياض بن حمار المجاشعي، ومن رواية الحسن البصري عن الأسود بن سريع وقد فسّر الحسن الآية بذلك قالوا: ولهذا قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ﴾ ولم يقل من آدم، ﴿مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ ولم يقل من ظهره ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ أي: جعل نسلهم جيلًا بعد جيل وقرنًا بعد قرن كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٦٥][وقال: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ [النمل: ٦٢]] (١) وقال: ﴿كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٣].
ثم قال: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ أي: أوجدهم شاهدين بذلك قائلين له حالًا وقالًا. والشهادة تارة تكون بالقول كقوله: ﴿قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا﴾ الآية [الأنعام: ١٣٠]، وتارة تكون حالًا كقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٧] أي: حالهم شاهد عليهم بذلك لا أنهم قائلون ذلك، وكذا قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (٧)﴾ [العاديات] كما أن السؤال تارة يكون بالقال وتارة يكون بالحال كما في قوله: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ [إبراهيم: ٣٤].
قالوا: ومما يدل على أن المراد بهذا هذا أن جعل هذا الإشهاد حجة عليهم في الإشراك، فلو كان قد وقع هذا كما قال من قال لكان كل أحد يذكره ليكون حجة عليه، فإن قيل: إخبار الرسول ﷺ به كافٍ في وجوده، فالجواب أن المكذبين من المشركين يكذبون بجميع ما جاءتهم به الرسل من هذا وغيره، وهذا جُعل حجة مستقلة عليهم، فدل على أنه الفطرة التي فطروا عليها من الإقرار بالتوحيد ولهذا قال: ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾ أي: لئلا تقولوا يوم القيامة ﴿إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا﴾ أي: التوحيد ﴿غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا﴾ الآية.
قال عبد الرزاق: عن سفيان الثوري، عن الأعمش ومنصور، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود ﵁ في قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ الآية قال: هو رجل من بني إسرائيل يقال له: بلعم بن باعوراء (٢). وكذا رواه شعبة وغير واحد عن منصور به (٣).
وقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن ابن عباس: هو صيفي بن الراهب (٤).
(١) زيادة من (حم) و (عم) و (مح). (٢) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح. (٣) أخرجه الطبري من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن منصور به، وسنده صحيح. (٤) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن بشير عن قتادة به، وقتادة لم يسمع ابن عباس وسعيد ضعيف، فسنده ضعيف، ويخالف ما ثبت عن ابن عباس أنه: بلعم.