بني إسرائيل، فدعا الله فجعلها أجمل امرأة في بني إسرائيل، فلما علمت أن ليس فيهم مثلها رغبت عنه وأرادت شيئًا آخر، فدعا الله أن يجعلها كلبة فصارت كلبة فذهبت دعوتان، فجاء بنوها فقالوا: ليس بنا على هذا قرار قد صارت أمنا كلبة يعيرنا الناس بها، فادع الله أن يردّها إلى الحال التي كانت عليها، فدعا الله فعادت كما كانت، وذهبت الدعوات الثلاث وتسمى البسوس (١)، غريب.
وأما المشهور في سبب نزول هذه الآية الكريمة فإنما هو رجل من المتقدمين في زمن بني إسرائيل كما قال ابن مسعود وغيره من السلف.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هو رجل من مدينة الجبارين يقال له: بلعام وكان يعلم اسم الله الأكبر (٢).
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيره من علماء السلف: كان مجاب الدعوة ولا يسأل الله شيئًا إلا أعطاه إياه (٣).
وأغرب بل أبعد بل أخطأ من قال: كان قد أوتي النبوة فانسلخ منها، حكاه ابن جرير عن بعضهم ولا يصح.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: لما نزل موسى بهم يعني بالجبارين ومن معه أتاه - يعني: بلعم - أتاه بنو عمه وقومه فقالوا: إن موسى رجل حديد ومعه جنود كثيرة، وإنه إن يظهر علينا يهلكنا فادع الله أن يردّ عنا موسى ومن معه، قال: إني إن دعوت الله أن يردّ موسى ومن معه ذهبت دنياي وآخرتي، فلم يزالوا به حتى دعا عليهم فسلخه الله ما كان عليه، فذلك قوله تعالى: ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ (٤).
وقال السدي: لما انقضت الأربعون سنة التي قال الله: ﴿مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ [المائدة: ٢٦] بعث يوشع بن نون نبيًا، فدعا بني إسرائيل فأخبرهم أنه نبي وأن الله أمره أن يقاتل الجبارين، فبايعوه وصدقوه، وانطلق رجل من بني إسرائيل يقال له: بلعام فكان عالمًا يعلم الاسم الأعظم المكتوم فكفر - لعنه الله - وأتى الجبارين وقال لهم: لا ترهبوا بني إسرائيل فإني إذا خرجتم تقاتلونهم أدعو عليهم دعوة فيهلكون وكان عندهم فيما شاء من الدنيا غير أنه كان لا يستطيع أن يأتي النساء لعظمهن، فكان ينكح أتانًا (٥) له وهو الذي قال الله تعالى: ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ (٦).
وقوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾ أي: استحوذ عليه وعلى أمره فمهما أمره امتثل وأطاعه ولهذا قال: ﴿فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ أي: من الهالكين الحائرين البائرين.
وقد ورد في معنى هذه الآية حديث رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده حيث قال:
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه بنحوه، وسنده ضعيف لضعف أبي سعد البقال الأعور وهو مدلس أيضًا. (٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي به. (٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن. (٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به. (٥) الأتان: أنثى الحمار. (٦) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي، وهذه الرواية أيضًا من الإسرائيليات كسابقاتها.