يحيى بن حبان، وعاصم بن عمر بن قتادة، والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، وغيرهم من علمائنا، كلهم قد حدّث، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ، يعني: حين خرج إلى أحد في ألف رجل من أصحابه، حتى إذا كان بالشوط بين أحد والمدينة، انحاز عنه عبد الله بن أبي بن سلول بثلث الناس، وقال: أطاعهم فخرج [١]، وعصاني، ووالله ما ندري علامَ نقتل أنفسنا هاهنا أيها الناس؟ فرجع [٢] بمن اتبعه من الناس من قومه من أهل النفاق، وأهل الريب، واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام [٣] أخو بني سلمة يقول: يا قوم، أذكركم الله ألا تخذلوا نبيكم وقومكم عندما حضر من عدوكم، قالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم، ولكنا [٤] لا نرى أن يكون قتال، فلما استعصوا عليه، وأبوا إلا الانصراف عنهم، قال: أبعدكم الله أعداء الله فسيغني [٥] الله عنكم، ومضى رسول الله، ﷺ.
قال الله ﷿: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ استدلوا به على أن الشخص قد تتقلب [٦] به الأحوال، فيكون في حال أقرب إلى الكفرَ، وفي حال أقرب إلى الإيمان لقوله: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ ثم قال تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ يعني أنهم يقولون القول، ولا يعتقدون صحته، ومنه قولهم هذا: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ فإنهم يتحققون أن جندًا من المشركين قد جاءوا من بلاد بعيدة؛ يتحرّقون على المسلمين بسبب ما أصيب من أشرافهم يوم بدر؛ وهم أضعاف المسلمين أنه كائن بينهم قتال لا محالة؛ ولهذا قال الله [٧] تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ [ثم قال تعالى][٨]: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ أي: لو سمعوا من مشورتنا عليهم في القعود وعدم الخروج، ما قتلوا مع من قتل، قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: إن كان [القعود يسلم][٩] به الشخص من القتل والموت، فينبغي أنكم لا تموتون: والموت لا بد آت إليكم، ولو كنتم في بروج مشيّدة، فادفعوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين.
قال مجاهد عن جابر بن عبد الله: نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي بن سلول
[١]- في خ: "وخرج". [٢]- في خ "فرح". [٣]- في خ: "حازم". [٤]- سقط من: خ. [٥]- في ت: "ولكن". [٦]- في ت: "فيستغني". [٧]- في خ: "ينقلب". [٨]- في خ: "وقوله". [٩]- سقط من: خ.