للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

العاشر: وقيل: "صبغة الله على مراتب، أولها ما ركب فينا من الهداية وهي الفطرة والثانية: الهداية بالتوفيق، والثالثة: الهداية ببعثة الرسل، والرابعة: الهداية في الترقي توليه إلى الدرجة العليا والسعادة القصوى" (١).

والصواب أن {صِبْغَةَ اللَّهِ} هو دين الله، وذلك للوجوه التي ذكرناها. والله تعالى أعلم.

وقد اختلف في أصل (الصبغة) على قولين (٢):

أحدهما: أن أصل ذلك أن النصارى كانوا يصبغون أولادهم في الماء، وهو الذي يسمونه المعمودية، ويقولون: هذا تطهير لهم. روي ذلك عن ابن عباس (٣)، وقتادة (٤)، وعطاء (٥).

وقال بعض شعراء ملوك همدان (٦):

وكل أناس لهم صبغة ... وصبغة همدان خير الصبغ

صبغنا على ذاك أبناءنا ... فأكرم بصبغتنا في الصبغ

فهذا يتمدح أنهم صبغوا أولادهم بصبغة معينة، تميزوا فيها عن أبناء القبائل الأخرى (٧).

الثاني: وقيل: إن الصبغة الاغتسال لمن أراد الدخول في الإسلام، بدلا من معمودية النصارى (٨).

قال القرطبي: "وعلى هذا التأويل يكون غسل الكافر واجبا تعبدا" (٩).

وتعددت أقوال أهل العلم في انتصاب {صِبْغَةَ اللَّهِ} [البقرة: ١٣٨]، وفيه ثلاثة أوجه (١٠):

الأول: أنه نصب على الإغراء، كقوله تعالى: {فِطْرَتَ اللَّهِ} [الروم: ٣٠]، أي: اتبعوا وألزموا صبغة الله. قاله ابن كثير (١١)، وأبو عبيدة (١٢).

قال الحافظ ابن حجر: " وكأن لفظ {صبغة} ورد بطريق المشاكلة (١٣)؛ لأن النصارى كانوا يغمسون من ولد منهم في ماء المعمودية، ويزعمون أنهم يطهرونهم بذلك، فقيل للمسلمين: الزموا صبغة الله فإنها أطهر (١٤) " (١٥).

الثاني: أنه بدل من قوله: {مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} (١٦). قاله الأخفش (١٧).


(١) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٣٢٥.
(٢) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ١٤٤.
(٣) أسباب النزول: ٤١.
(٤) انظر: تفسير الطبري (٢١١٣): ص ٣/ ١١٧ - ١١٨.
(٥) انظر: تفسير الطبري (٢١١٤): ص ٣/ ١١٨.
(٦) البيت من شواهد كتب التفاسير، مثل: تفسير القرطبي: ٢/ ١٤٤، والبحر المحيط: ١/ ٥٨٣.
(٧) تفسير القرطبي: ٢/ ١٤٤.
(٨) انظر: حكاه القرطبي عن الماوردي، ولم نقف عليه في النكت والعيون، انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ١٤٤.
(٩) تفسير القرطبي: ٢/ ١٤٤.
(١٠) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٦، وتفسير ابن كثير: ١/ ٤٥٠.
(١١) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٤٥٠.
(١٢) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٦.
(١٣) المشاكلة هي: أن تذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته تحقيقاً أو تقديراً. فمثال التحقيق: قوله-عز وجل-: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: ١٩٤]، فالعدوان من المشركين في اللفظ ظلم في المعنى، والعدوان الذي أمر الله به إنما هو القصاص، والقصاص عدل لا ظلم، وإن كان اللفظ واحداً. ومثال التقدير: هذه الآية إذ أمر الله بالتزام صبغته، أي: دينه، وهي لفظة في مقابل صبغة النصارى أولادهم بغمسهم في ماء المعمودية، فلفظ الصبغة لم يتقدم معناه في الحقيقة، وإنما هو أمر معروف من حال النصارى. انظر: الحجة للفارسي: ١/ ٢٣٦، مفتاح العلوم للسكاكي: ٢٠٠، جواهر البلاغة لأحمد الهاشمي: ٣٧٥، معجم المصطلحات البلاغية لأحمد مطلوب: ٦٢١ - ٦٢٢.
(١٤) ذكر هذا المعنى الواحدي في أسباب النزول-تحقيق أيمن شعبان-: ٤١، والبغوي في معالم التنزيل: ١/ ١٥٧، وأبو حيان في البحر المحيط: ١/ ٤١١ عن ابن عباس، وانظر ذلك في: معاني القرآن للفراء: ١/ ٨٢ - ٨٣، معاني القرآن وإعرابه للزجاج: ١/ ٢١٥، تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة: ٢٤٩، الكشاف للزمخشري: ١/ ٣١٦، مفاتيح الغيب للرازي: ٤/ ٩٥، الدر المصون للسمين: ١/ ٣٨٨، أنوار التنزيل للبيضاوي: ١/ ٨٥، تيسير المنان تفسير القرآن للكوكباني: ٢/ ١٣٦٢ - ١٣٦٣، وغيرها.
(١٥) الفتح: ٨/ ١١.
(١٦) وكذلك رَفع (الصبغة) من رَفع (الملة)، على ردّها عليها، وقد يجوز رفعها على غير هذا الوجه. وذلك على الابتداء، بمعنى: هي صبغةُ الله. (انظر: تفسير الطبري: ٣/ ١١٧).
(١٧) انظر: معاني القرآن: ١/ ١٥٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>